رحم الله الشيخ البيجاني حين قال: (وأشد ما تكون المنافسة، وأكثر ما يكون الحسد، بين أهل الصنعة الواحدة، والشرف المتماثل، والبيوت المتجاورة، ولكنه لا يعيش إلا في قلوب خبيثة، ولا ينبت إلا في نفوس ضعيفة، وهو في العلماء أكثر منه في غيرهم، كما يقول مالك بن دينار رحمه الله: شهادة القراء مقبولة في كل شيء، إلا شهادة بعضهم على بعض، فإنهم أشد تحاسدًا من التيوس؛ وتقدم أن العلماء بالحسد يدخلون النار قبل الحساب بسنة كاملة... وإنما يتحاسد العلماء إذا كان علمهم لغير الله، وأرادوا به صرف وجوه الناس إليهم، وبعضهم يتعلم ويترك العمل والاكتساب ويصبح عالة على الناس، ويعتقد أنهم متى رأوا غيره خيرًا منه تركوه وأعرضوا عنه، ولذلك فهو يحسد أهل الفضل قاطبة، ويكره العلماء أجمعين، ولا يثني إلا على ميت أمن شره، أوغائب لا يخاف مكره، ولو أنهم طلبوا العلم لله، وأرادوا به الآخرة، وعملوا لدنياهم كسائر الناس، لصاروا هم السادة والقادة بكل فضيلة) .
نوعا الاختلاف
الاختلاف نوعان كبيران، وقسمان خطيران:
أحدهما: خلاف سائغ جائز شرعًا.
وثانيهما: خلاف ممنوع محرم شرعًا.
ولكل من النوعين شعب شتى، وفروع مختلفة.
ومن أمثلة الخلاف السائغ الجائز ما يلي:
1.اختلاف التنوع، نحو صيغ الأذان، وأوجه الإحرام، وصيغ التشهد، وما شاكل ذلك.
2.اختلاف في بعض الأمور التي تكافأت فيها الأدلة، نحو تكفير تارك الصلاة كسلًا وعدم تكفيره، وقراءة المأموم للفاتحة في الصلاة الجهرية، وقراءة البسملة في الفاتحة في الصلاة، ونحوها.
3.اختلاف في الأمور التي لم يرد فيها نص.
4.اختلاف في وسائل العمل.
لا شك أن الاختلاف السائغ منه ما هو راجح، ومنه ما هو مرجوح، فمن أصاب الحق فيه إن كان من أهل الاجتهاد فله أجران، ومن أخطأ الحق فله أجر.
أما الاختلاف الممنوع المحرم شرعًا فمن أنواعه ما يأتي:
1.اختلاف التضاد.
2.اختلاف سببه اقتراف البدع الكفرية.
الذي يعنينا في بحثنا هذا النوع الأول، وهو الاختلاف السائغ الجائز الذي لا يوجب عداء ولا هجرًا، دعك من أن يوجب تضليلًا أوتكفيرًا، وكل ما نتج من ذلك من نفرة وهجر، وعداء، وتضليل، ونحوه سببه البغي والحسد، أوحمل بعض الأمور على غير محملها الشرعي.
أسباب التنافر والانقسام في صفوف العاملين في مجال الدعوة من أهل السنة
إذا أردنا علاج أي أمر من الأمور لابد من تشخيص الداء تشخيصًا صحيحًا دقيقًا، ثم بعد ذلك نقدم الحلول التي تناسب هذه الأدواء.
لا أشك قط أن جل الأسباب التي أدت إلى التفرق والتشرذم في أوساط العاملين في مجال الدعوة في صفوف أهل السنة والجماعة في هذا العصر غير موضوعية، وهي لا تدعو بحال من الأحوال إلى التنافر والتباغض، فكيف بالتضليل والتكفير؟ لأن جلها ناتج عن خلاف جائز مستساغ، وقد اختلف في ذلك وفي أكبر منه سلفنا الصالح، بل وتقاتلوا، ولكن مع كل ذلك لم تحدث بينهم النفرة، والفرقة، والتباغض، والتحاسد، والكيد، كما هو حادث الآن في خلفهم، وكان ينبغي على الخلف الصالح أن يسلك مسلك سلفه الفالح، وأن يسعهم ما وسع أولئك، حتى لا يشملهم قول من قال:"من لم يسعه ما وسع السلف الصالح فلا وسَّع الله عليه".
ويمكننا بالاستقراء والمعايشة والتجربة أن نورد الأسباب الرئيسة التي أدت ولا تزال تؤدي إلى الفرقة، ونخرت ولا تزال تنخر في صف الأخيار، كي تستبين سبيل المؤمنين، وتتضح طريق المتقين، التي يرفعها البعض ويبرر بها سبب نفرته واختلافه مع الآخرين، لنعلم أنها ليست من الأسباب التي توجب العداء، وتسبب الفرقة، وتحدث التشرذم والتحزب الممقوت الذي حذرنا منه ديننا وخوفنا منه ربنا ورسولنا، ونهانا عنه سلفنا:"إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء"، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة.
أسباب التفرق، والتحزب، والهجر كثيرة جدًا، منها ما هو منطوق منظور، ومنها ما هو مضمر مجهول، منها ما يرجع إلى قصور في الفهم، أوخطأ في التأويل، أو عجز في التعبير، ومنها ما يرجع إلى أمراض قلبية، وعقد نفسية، وأغراض شخصية، وأهواء مطوية، وهذا النوع الثاني لا قبل لأحد بعلاجه، ولا سبيل للخلاص منه إلا التضرع والدعاء وسؤال رب الأرض والسماء، مالك القلوب ومصرفها أنى شاء، فنسأله سبحانه أن يطهر قلوبنا وقلوب جميع إخواننا العاملين وغيرهم من الحسد والبغضاء، وعن الأغراض والأهواء، إنه ولي ذلك والقادر عليه، فنقول مستمدين منه العون والسداد:
أولًا: التقصير في الجانب العقدي والاشتغال بالجانب السياسي
من أسباب التفرق والهجر والتباغض في صفوف العاملين في الدعوة في هذا العصر تركيز بعض الجماعات على العمل العام، وتقصيرهم في جانب إصلاح العقائد، مما جعل طوائف من العاملين يحملون على هؤلاء ويصفونهم بالتقصير والتهاون في أمر ينبغي أن يكون هو الأصل والأساس.