فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 1363

لا شك فإن أمر العقيدة هو أصل الأصول، ولا يحل لجماعة أن تعنى بغيره قبل إحكامه وإصلاحه، فقد جلس الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة يعالج هذا الأمر ويكابده، والقرآن المكي كله كان هذا موضوعه، وكل ذنب سوى الشرك مغفور، وكل عمل قبل التوحيد محبط مهدور.

لكن هذا السلوك لا يوجب العداء، وإنما يستحق الرحمة والعطف، وينفع معه الرفق والحكمة، وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم عندما يُطلب منه أن يدعو على أعدائه من المشركين يقول:"اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"، لقد أمر الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام أن يرفقا بالطاغية الباغية فرعون، قائلًا:"فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أويخشى"، فكيف بالمسلم؟ والرفق ما دخل في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه.

لله در عمر ورضي الله عنه، فقد كان رفيقًا رحيمًا، روى الحسن قال: لما قدم عمر بن الخطاب الشام أتاه راهب شيخ كبير متقهل، عليه سواد، فلما رآه عمر بكى، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك؟ قال: هذا المسكين طلب أمرًا فلم يصبه، ورجا رجاء فأخطأه؛ وقرأ قول الله عز وجل:"وجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة".

ولهذا كان من دعاء الإمام أحمد رحمه الله:"اللهم من كان من هذه الأمة يظن أنه على الحق، وهو ليس من أهله، اللهم فرده إلى الحق ليكون من أهله"، أوكما قال.

فالواجب على العلماء والدعاة بيان الحق وتوضيح السنة من البدعة، والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فمن اتبع الحق فبها، ومن لم يتبع روجع حتى يشرح الله صدره للإسلام.

الهجر وسيلة من وسائل التأديب، وطريقة شرعية من طرق التعزير، شريطة أن لا يتجاوز به الحد، وأن نتيقن من فائدته وجدواه، لأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، فإذا كان الضرر المترتب على الهجر والقطيعة أكبر من النفع يحرم الهجر في هذه الحال، فإن لكل مقام مقال، ولكل شأن حال، فما يناسب هذا يضر بالآخر، وهكذا.

ظهر من ذلك أن التقصير في الجانب العقدي مع الإقرار النظري بأهمية العقيدة وصدارتها لا يوجب العداء، وإنما يوجب التناصح، والدعاء، والرفق، والصبر، وتنوع الوسائل.

وثمة شيء آخر، وهو أن أفراد هذه الجماعة ليسوا سواء، فهم متفاوتون أكبر تفاوت، مع احتفاظهم بقدر مشترك من التوافق، فمن الظلم الحكم عليهم بحكم واحد، وإنزالهم منزلة واحدة.

فالمنسوبون والمنتسبون إلى هذه الجماعة في الجزيرة، والخليج مثلًا متميزون عن غيرهم من أهل البلاد الأخرى، فهم معنيون ومهتمون بأمر العقيدة ومشتغلون بإصلاحها، ويرجع الفضل في ذلك بعد الله عز وجل للأثر العميق الطيب لدعوة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب طيب الله ثراه وبارك في مجهوداته وأتباعه ومن والاهم، وفي الجميع خير وبركة كما أخبر الصادق المصدوق:"المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ".

ثانيًا: وصم البعض بأنهم تكفيريون، أوسَرُورِيُّون (!!)

من أسباب التفرق والهجر والتباغض في صفوف العاملين في الدعوة في هذا العصر، وصم البعض لإخوانهم بأنهم تكفيريون، أوسروريون، أوخوارج كما زعموا، ومن ثم لم يكن لهؤلاء النفر شغل ولا هم ولا عمل إلا النيل والانتقاص من هؤلاء، والتحذير من موالاتهم، والاستماع إليهم، وغشيان مساجدهم ودروسهم ومحاضراتهم، أومطالعة كتبهم ورسائلهم، والكتابة والكلام عنهم، بمناسبة وغير مناسبة.

هذه التهمة ليس لها شبيه ولا مثيل، ولا ند ولا نظير، إلا وصم بعض الأخيار بأنهم وهابية أوخامسية، فكما أنه لا وجود لعقيدة وهابية ولا فرقة خماسية، كذلك لا توجد عقيدة سرورية، وأخشى ما أخشاه أن يكون الدافع لإطلاق هذه الألقاب الهوى.

إني معاشر ومخابر للواصفين والموصوفين بالسرورية، ولا ينبئك مثل خبير، فلم أعلم فرقًا في الاعتقاد، فالجميع على عقيدة أهل السنة والجماعة، والجميع سلفيون، إلا بعض الفروق الطفيفة التي لا يخلو أفراد فرقة من الفرق منها.

ومن الغريب العجيب أن الفتن والمصائب كانت تجمع بين المسلمين، وتوحد كلمتهم، وتلم شملهم، وتنسيهم خلافاتهم، إلا في هذا العصر، فإن ما ابتلي به المسلمون من النكبات، وما حل بهم من المصائب، وما نزل بهم من النوازل، كان سببًا وعاملًا للفرقة والتشتت والتحزب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

فهذه البدعة السيئة ظهرت عقب حرب الخليج الأولى واستفحلت بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت