عندما ظهرت بدعة الخروج، وهي أول البدع ظهورًا وخطرًا على الإسلام، ناظرهم أئمة الدين علي، وابن عباس، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وردوا شبههم، وبينوا قلة فقههم وضحالة تفكيرهم، فرجع من رجع منهم، وبقي من كتب الله عليه الشقاء، وسنمثل لذلك بمحاورة ومناظرة عمر بن عبد العزيز للخوارج كما رواها ابن عبد البر: (فلما قدموا على عمر أمر بنزولهم، ثم أدخلهم عليه، فجادلهم حتى إذا لم يجد لهم حجة رجعت طائفة منهم، ونزعوا عن رأيهم، وأجابوا عمر، وقالت طائفة منهم: لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك، وتلعنهم، وتبرأ منهم؛ فقال عمر: إنه لا يسعكم فيما خرجتم له إلا الصدق، أعلموني هل تبرأتم من فرعون، أولعنتموه، أوذكرتموه في شيء من أمركم؟ قالوا: لا؛ قال: فكيف وسعكم تركه ولم يصف الله عز وجل عبدًا أخبث من صفته إياه، ولا يسعني ترك أهل بيتي، ومنهم المحسن والمسيء، والمخطئ والمصيب؟!) .
الذين قاموا بمناظرة هؤلاء المبتدعة من أولي أمر المسلمين، وما قاموا به من أوجب واجباتهم نحو هذا الدين.
جرت بعض المناظرات بين المتهمين والملقبين بذلك وبين من يتهمهم، ودلل لهم المتهمون بأنهم لا يدينون بشيء مما رموا به، ومع ذلك نجد البعض يصر أن هذا من باب التقية، ويجدد ويكرر تهمه، وهذا من الظلم البين والكِبر الظاهر:"الكِبْر بطر الحق وغمط الناس"، ومعنى"بَطَرُ الحق"أي دفعه، والمسلم مطالب أن يحكم على أخيه المسلم بما ظهر منه، وبما قاله لسانه وخطاه بنانه، لا أن يشكك في ذلك، ويتهم النوايا والسرائر التي لا يعلمها إلا الله.
فهذه تهمة مختلقة باطلة، وكل ما بني عليها فهو باطل.
ثالثًا: الاختلاف في وسائل العمل
لا ينبغي أن يؤدي اختلاف الناس في وسائل العمل وفي تقديرهم لفعالياته إلى الهجر والتدابر والتنافر، فكل ميسر لما خلق له، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
ولكن ما نراه اليوم من التنافر والتباغض يرجع كثير منه إلى اختلافهم في وسائل العمل، وإلى اهتمام بعض الفرق والطوائف ببعض المناشط دون بعض.
ومما لا شك فيه أن مثل هذا الاختلاف لا يترتب عليه عداء ولا يمثل خطرًا على الإسلام، وينبغي أن يكون هناك تنسيق وتعاون بين سائر العاملين في مجالات الدعوة المختلفة، حتى تثمر هذه الأعمال وتتضافر الجهود لتحقيق ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، من غير عيب ولا شين لطائفة من الطوائف.
هذا كله إذا صلحت النية وسلمت الضمائر.
رابعًا: الانفصال والخروج عن جماعة من الجماعات
من أسباب الهجر الممقوتة، وعوامل الفرقة المشاهدة المحسوسة، وتهويشات الشيطان المألوفة، الانفصال والخروج والانشقاق عن جماعة من الجماعات، سواء كان خروجًا فرديًا أوجماعيًا، حيث يحل الهجر محل الوصل، والبراء محل الولاء، والفرقة محل الألفة، فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويكفي هذا المسلك سوءًا، وهذا الخلق قبحًا أنه من سمات أهل الأهواء، وليس من صفات أهل الدين والتقوى، وقد سبق وصف ابن عمر للخوارج بدناءة الأخلاق، لتكفيرهم وتضليلهم بعضهم البعض، ولله در أمير المؤمنين علي عندما سئل عن الخوارج الذين شقوا عليه عصا الطاعة، وفرقوا الجماعة، وعادوا أهل الإسلام، ووالوا وساعدوا أهل الشرك والأوثان، لم يزد إلا أن قال:"إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم"، وأمر أن لا يبادروا بالقتال حتى يبادروا هم.
هذا الداء العضال والمرض المهلك البطال عامل أساس في إشاعة التحاسد والتباغض في صفوف العاملين في الدعوة، ومما يؤسف له أن البعض لا يتعظ ولا يستفيد من أخطاء السابقين، ولا يحذر من جهل الجاهلين، فيقع فيما كان منه يخوِّف وينذر.
ومما تجدر الإشارة إليه، ويجب التنبيه عليه، أن الانتماء إلى الجماعات والأحزاب الإسلامية جائز إن كانت هذه الجماعات والأحزاب قائمة على مذهب أهل السنة والجماعة، وعلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، وأنه من باب التعاون على البر والتقوى، ولا حرج على المنتسب لأي جماعة من هذه الجماعات أن يخرج منها إلى خير منها، خاصة إذا شعر أن جماعته الأولى أخلت بأمر من الأوامر الشرعية، أوإن غيرها أكثر فعالية منها، أولم يجد فيها بغيته، وليس هناك ما يلزم المرء أن يبقى في جماعة من الجماعات حتى الموت.
ولا ينبغي لجماعته الأولى التي تخلى عنها لأي سبب من الأسباب من غير أن ينال منها أن تجد عليه، أو تحمل عليه، ولا أن تغير معاملتها له، طالما أنه ملتزم بمنهج أهل السنة والجماعة.
فقد انتقل كثير من أهل العلم من مذهب إلى مذهب، ورجع بعضهم عن بعض الأقوال التي كانوا يعتقدونها ويرجحونها، فلم يثرِّب عليهم أحد، ولم ينكر بعضهم على بعض.
ومن غرائب الاستدلال استدلال البعض على جواز هجر وقطع من خرج من جماعة من الجماعات بقصة هجر الرسول صلى الله عليه وسلم وجماعة المسلمين لكعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم.