وهذا استدلال مع الفارق والفارق الكبير، فالرسول صلى الله عليه وسلم المؤيَّد بالوحي هجر هؤلاء ليتثبت من صدقهم وعدم نفاقهم، وهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى سيفتيه في أمرهم، وقد حدث أن نزل قرآن بتبرئتهم من النفاق.
هذا بجانب أن هؤلاء الثلاثة خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم كفر، وأن جماعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الجماعة الوحيدة التي تعبد الله في الأرض من بني آدم، فهل هناك وجه للمقارنة بين الجماعة المسلمة الأولى وبين الجماعات التنظيمية اليوم؟!
ليس لهذا النوع من الهجر والتباغض سبب إلا الجهل والهوى، فينبغي لقادة هذه الجماعات ولقواعدها أن يتقوا الله في أنفسهم، وفي إخوانهم، وأن لا ينجروا وراء أهوائهم وعواطفهم، وأن يكون ولاؤهم أولًا وأخيرًا لله عز وجل، وأن لا يجعلوا ولاءهم لجماعتهم وأتباعهم أكبر من ولائهم لله، فيقعوا في المحظور، وعليهم أن لا ينسوا حقوق المسلم نحو إخوانه المسلمين التي بينها لنا رسول رب العالمين:"حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه".
خامسًا: سوء الظن وانعدام الثقة
كثير من الجفاء والتباغض والشحناء بين العاملين في مجال الدعوة مرده إلى سوء الظن وانعدام الثقة، وإلى التأويلات الخاطئة والتفسيرات الجائرة، لما يصدر من بعضهم نحو بعض.
لهذا نهانا ربنا عن الظن السوء:"يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم".
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسَّسُوا ولا تجسَّسُوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا، التقوى ههنا - ويشير إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
لو صفت القلوب، وسلمت الضمائر، وطهرت السرائر، وحمل المسلم ما يصدر من أخيه على أحسن المحامل لزالت كثير من هذه الشكوك، ولتبددت هذه الحزازات.
الظن المنهي عنه مرادٌ به التهمة، ولان النفوس جبلت على الظن دلنا رسولنا على كيفية التخلص من ذلك، وهو عدم التحقيق، والبحث والتفتيش، فقال:"إذا ظننتَ فلا تحقق، وإذا حسدتَ فلا تبغ، وإذا تطيَّرتَ فامض"الحديث.
قال القرطبي في تفسير آية الحجرات: (قال علماؤنا: فالظن هنا هو التهمة، ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها) .
سادسًا: عدم التثبت في المنقول
نقل الكلام وعدم التثبت فيه يوغر الصدور، ويزرع الوحشة في النفوس، فالسعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، فكيف إن كانت زورًا وبهتانًا، وزيد فيها ونقص منها؟، وصدق من قال:"وما آفة الأخبار إلا رواتها"، وصلى الله وسلم على القائل:"لا يدخل الجنة نمام"، وفي رواية:"قتات"، ويكفي النميمة قبحًا أن قرنت مع البول، وهو أطهر منها، وجعل غالب عذاب القبر بسببهما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة".
فالنمام فاسق بحكم الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين"، يجب على العلماء والقادة أن يتنزهوا عن هذا المسلك المشين، وأن يحذروا أتباعهم أن يلغوا في هذا المرتع الآسن.
ينبغي للقائد والعالم والأمير أن ينصح أصحابه، وأن يوجه تلاميذه إلى ما فيه خيره وخيرهم، لأنه مسؤول عنهم، ورحم الله عمر بن عبد العزيز حين قال موجهًا جلساءه وموضحًا لهم شروط صحبته ومعاشرته، حتى يكونوا على بينة.
روى الإمام الأوزاعي رحمه الله أن عمر بن عبد العزيز قال لجلسائه:"من صحبني منكم فليصحبني بخمس خصال: يدلني من العدل إلى ما لا أهتدي له، ويكون لي على الخير عونًا، ويبلغني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ولا يغتاب عندي أحدًا، ويؤدي الأمانة التي حملها بيني وبين الناس، فإذا كان ذلك فحيهلا، وإلا فقد خرج عن صحبتي والدخول عليَّ)."
لم يكتف بعض القادة بالتجسس ويسمح بنقل الأخبار عن الآخرين حتى جعل له عيونًا على أتباعه أنفسهم، معللًا ذلك بأن مصلحة الدعوة والتنظيم تحتم ذلك، ولم يعلم أنه بذلك أصبح من المفسدين في الأرض وليس من المصلحين، ومن الغاشين للأتباع وليس من الناصحين لهم.