روى أبو داود بسنده في سننه عن معاوية رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنك إن اتبعتَ عورات الناس أفسدتهم أوكدتَ أن تفسدهم"، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها.
لا ينبغي للتابع والتلميذ أن يكون بهذه الدرجة من الجهالة والوقاحة، وعليه أن يعلم أن الطاعة لا تكون لمن تجب عليه طاعتهم كالوالدين وولاة الأمر إلا في المعروف، وأنه إنما انتمى إلى تلك الجماعة ليزكي نفسه ويصلحها، لا ليفسدها ويخربها.
اعلم أخي المسلم أن الثقة لا يبلغ، وأن الكريم لا يسعى بالنميمة على مسلم، قال بعض الحكماء: لا يكون النمام إلا زنيمًا؛ وهو المتهم في نسبه.
سعى رجل إلى بلال بن أبي بردة الأشعري برجل من أهل البصرة فقال: انصرف حتى أكشف عنك، وبعد البحث عنه وجده ابن زنا.
دخل رجل على سليمان بن عبد الملك رحمه الله فاستأذنه في الكلام، وقال:"إني مكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله وإن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته"، فقال:"قل"، فقال:"يا أمير المؤمنين، إنه قد اكتنفك رجال باعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، ولا تصغ إليهم فيما استحفظك الله إياه، فإنهم لن يألوا في الأمة خسفًا، ولا في الأمانة تضييعًا، والأعراض قطعًا وانتهاكًا، أعلى قربهم البغي والنميمة، وأجل وسائلهم الغيبة والوقيعة، وأنت مسؤول عما أجرموا، وليسوا بمسؤولين عما أجرمت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبنًا من باع آخرته بدنيا غيره".
فويل للعلماء والدعاة من التلاميذ والأتباع، وويل كذلك للتلاميذ والأتباع من العلماء، إن لم يتق الله الجميع ويخشاه ويراقبه في السر والعلن، فالنميمة من أقوى عوامل التحاسد والتباغض والتفرق والتهاجر بين العلماء والدعاة: (فالعلماء لا يتباغضون ويختلفون لشيء بعد الحسد إلا النميمة، يسعى بها الجهال بينهم، وينقل بعض التلاميذ كلام أستاذه مبدلًا ومحرفًا، فيسبب لخبثه وبلادته الفتنة الشهواء، ويثير عواطف الجهال على شيخه، ويفتح لعلماء السوء باب الطعن على أستاذه، فيدخلون عليه بكل مصيبة، وينسبون إليه كل خطيئة، وقد يدخل النمام بيوت الله للعبادة فيخرج مأزورًا غير مأجور، يبدل ما سمع من الخطابة والتدريس بما شاءت له نفسه الخبيثة، وأوحى به إليه إبليس، وما كان أيسر أن يجتمع العلماء وينصف كل من نفسه، ولا يصدق من نمَّ له على إخوانه، وإذا بلغه شيء يسوءه سأل عنه صحته، وأحضر معه النمام يفضحه إن كان كاذبًا، ويحذر الناس من شره إن كان صادقًا) .
سابعًا: الدخول في العمل العام
من أسباب الخلاف وعوامل الفرقة والتباغض بين بعض العاملين في مجال الدعوة الدخول في العمل العام أوالمشاركة فيه، سواء كان في نطاقه العام أوالمحدود داخل الجامعات والمعاهد العليا، سيما فيما يتعلق بالتعاون والتنسيق مع بعض الجماعات والأحزاب، ويمثل ذلك ما حدث في انتخابات اتحاد جامعة الخرطوم قبل شهور، والتصدع الذي أحدثه دخول واشتراك نفر من أنصار السنة في الحكومة السودانية.
على الرغم من أن وجهات النظر في ذلك تختلف وتتباين بين مؤيد ومعارض، ومجيز ومانع، ولكن في نهاية المطاف فإن ذلك يعتبر من المسائل الاجتهادية القابلة للأخذ والرد، وليست من المسائل الفاصلة التي توجب العداء والنفرة، والتخاصم والتدابر.
فقد حدث هذا ويحدث من عدد من الجماعات الإسلامية في عدد من البلاد، وله إيجابيات وسلبيات، وينبغي أن تقدر كل حال بقدرها، وأن يحكم ذلك كله القاعدة الشرعية درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، وقبول خير الشرين دفعًا لشر الشرين، وما لا يدرك كله لا يترك جله، ونحو ذلك.
ثامنًا: الاختلاف في الحكم على بعض النوازل
من أوجب الواجبات على أهل العلم الحكم على النوازل، وبيان حكم الشرع فيها قبل فوات الأوان، حتى لا يدعوا العامة في حيرة من أمرهم، فقد منَّ الله على هذه الأمة أن شريعتها حوت من الأصول الكلية والقواعد الأساسية ما هو كفيل بالحكم على أي نازلة من النوازل، إذ القياس والاجتهاد لمن يملكون أدواتهما مصدران من مصادر هذه الشريعة السمحة.
لقد ضمن الشارع الحكيم لهذه الأمة أنها لا تجتمع على ضلالة أبدًا، إذ لا تزال طائفة منها ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة.
أهل الاجتهاد مأجورون في كل الأحوال، إن أصابوا الحق فلهم أجران، وإن أخطأوه فلهم أجر، لأن الحق عند الله عز وجل واحد لا يتعدد.
قد يختلف أهل الحل والعقد من العلماء في حكمهم على نازلة من النوازل، وهذا ما لا حرج ولا تثريب فيه، وللحاكم أن يختار من هذه الأقوال ما تطمئن إليه نفسه، ويراه مخلصًا له عند ربه، بعد أن يجتهد فيها ولو كان عاميًا، إذ العامي يجب عليه أن يجتهد في أقوال المفتين كما قرر ذلك الإمام الأصولي الشاطبي رحمه الله.