ولكن الممنوع المحذور أن يثرب أويضيق بعضهم على بعض، بسبب اختلافهم في نازلة من النوازل، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام الأسوة الحسنة حين استشار كبار أصحابه في أسرى بدر، فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه أن يأخذ منهم الفداء، وأشار عليه عمر وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهما بقتلهم، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر فلم يقتلهم، ولم يثرِّب أحدهم على الآخر، ولم يتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم موقفًا من عمر وعبد الله بن رواحة، ثم نزل القرآن موافقًا لما رآه عمر وعبد الله، وبعد ذلك لم يثرِّب على أبي بكر رضي الله عنه.
فالحرج والتثريب على أحد من أهل العلم رأى رأيًا مخالفًا لما رآه غيره من أهل العلم ولما يهواه الحاكم، كما حدث إبان حرب الخليج الأولى، من الظلم البين ومن التعدي الواضح.
وليت الأمر وقف عند الحرج والتثريب، ولكن تعداه من نفر من أهل العلم وتلاميذهم إلى الطعن والتشكيك والانتقاص والتحذير من أصحاب القول المخالف، وقد أثبتت الأيام صحة ما ذهبوا إليه، ووقع كل ما تنبؤوا به وحذروا منه وزيادة، عندما واصلت أمريكا حربها الصليبية على الإسلام وغزو دياره واحدًا تلو الآخر.
الفرقة والتنافر والاختلاف والانقسام الذي أحدثه هذا السلوك المشين والتصرف الظالم لإخوة الدين، وما نتج عن ذلك من الوقيعة وسوء الظن وانعدام الثقة بين صفوف العلماء والدعاة وتلاميذهم، لا يعلم مداه إلا الله، حيث أوغر الصدور، وأزال الجسور، وهيأ للفجور في الخصومة، ولا تزال آثاره يتجرعها المخلصون، وعلقمه غصة في حلوق العاملين في الدعوة.
لا يدري والله المرء ويكاد يدري ما الذي دفع إلى ذلك، وخطأه واضح لكل ذي عينين، بيِّن لا يحتاج إلى بصيرة نافذة ولا إلى حلم وافر.
مما يحمد له أن مشايخنا الكبار وعلماءنا الأبرار أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد صالح العثيمين قدَّس الله أرواحهما وغيرهم كثير من الأحياء أطال الله أعمارهم ومتع بهم الأمة، لم يخوضوا في تلك الفتنة، فقد طهر الله ألسنتهم وأقلامهم من أن ينسب إليهم شيء من ذلك، وهذا هو المظنون بهم، والمؤمل فيهم، لسلامة صدورهم، وطهارة نفوسهم، ونفاذ بصائرهم، وعمق فقههم، نسأل الله أن يوفقنا وجميع إخواننا من العلماء والدعاة للاقتداء بهم وبسلفنا الصالح.
والله أسأل أن ينزع الغل والحسد والبغضاء والشحناء من قلوب العلماء والدعاة وأن يكون لهم في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه القدوة عندما قال عقيب موقعة الجمل ومقتل طلحة والزبير رضي الله عنهما: أرجو أن نكون ممن قال الله فيهم:"ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا".
فينبغي للجميع أن يراجعوا مواقفهم، وأن يحاسبوا أنفسهم، فالرجوع إلى الحق فضيلة أيما فضيلة، والتمادي في الخطأ والإصرار عليه رذيلة ما بعدها رذيلة، وليحذروا الكِبْر والاستنكاف خاصة وهم لهم تلاميذ وأتباع مسؤولون عن تصرفاتهم، ومؤاخذون بجرائرهم، حتى تضمد الجراح وتعود الألفة والسماح مع إخوة الإيمان، ومحبة الإسلام.
وأرجو من الذين ظُلِموا وهُجِروا وانتقِصوا ونيل من عقيدتهم أن لا يغلبهم الشاعر العربي الفحل المقنع الكندي على العفو والصفح، وأن يسعهم ما وسعه، فحقوق الأخوة الإيمانية ليست بأقل من حقوق العصبة والأرحام، حيث قابل الهجر بالوصل، والجفاء بالمحبة، والظلم بالمسامحة، والسيئة بالحسنة، فخلدت آثاره، ومدحت أخلاقه، وشكرت فعاله، وتمثل بأبياته، وتغني واستشهد بأشعاره.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرًا".
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدًا
إذا أكلوا لحمي وفرتُ لحومهم وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدًا
وإن ضيعوا غيبي حفظتُ عيوبهم وإن هُمْ هَوَوا غيي هويتُ لهم مجدًا
وليسوا إلى نصري سراعًا وإن هم دعوني إلى نصر أتيتهم شدًا
وإن زجروا طيرًا بنحس يمر بي زجرتُ لهم طيرًا يمر بهم سعدًا
ولا أحملُ الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحملُ الحقدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى وإن قلَّ مالي لم أكلفهم رفدًا
واللهِ لو سلك العلماء والدعاة مع بعضهم بعضًا مسلك هذا الشاعر اللبيب، والعربي الأصيل، والرئيس النبيل مع إخوته وبني عمه على الرغم من التباين الواسع والبون الشاسع بينه وبينهم، لتوحدت كلمتهم، والتأم شملهم، وعلا شأنهم، وتغيرت أحوالهم، وسلموا من سائر عوامل الفرقة والتحزب.
أما إذا سلكوا مع بعضهم البعض حال ما وصفه الآخر مع ابن عمه فقال:
سريع إلى ابن العم بلطم خده وليس إلى داعي الندى بمجيب
فقد خسروا، وأشمتوا عليهم الأعداء وأفرحوهم، وأحزنوا الأصدقاء وأساءوا إليهم.
تاسعًا: الإعلان بالنصيحة