وإما صاحب هوى، يريد فتنة، ومثل هؤلاء موجودون، ويهمهم الإيقاع بين المؤمنين، كما أوقعوا بين علي بن أبي طالب ومعاوية رضي الله عنهم، فيتخذون من مسائل الخلاف والمشتبهات دخلا لإفساد ذات بين المؤمنين، وتفريق كلمتهم، وحصول التنازع والفشل، متسترين بحب الدين والحرص عليه، وما أضر على الدين منهم، فعلى المؤمنين الحذر منهم، ولن ينجيهم إلا التقوى والبصيرة، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لايألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور * إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} ..
أبو سارة
الكاتب: قاسم الشيباني
كان المسلمون في الأندلس في عزٍ وتمكين لما كانوا يدا واحدة ولما كانوا يعتمدون الجهاد منهج حياتهم وأعظم أهدافهم . إذ كان ملوك المسلمين يقودون كتائب الجهاد لنشر الإسلام أمثال طارق بن زياد وموسى بن نصير وعبدالرحمن الغافقي ثم عبدالرحمن الداخل وإلى عبدالرحمن الأوسط ثم إلى أبي عامر المنصور الذي كان يأمر جنوده إذا رجعوا من غزوة أن يجمعوا له غبار حذاءه فإذا سألوه ما الذي سيفعل به قال إذا مت فاجعلوه في كفني فإذا قدمت على ربي قلت يا رب هذا غبار قدمي في سبيلك. حتى هابه ملوك النصارى وصاروا يسعون جاهدين لعقد الصلح معه ودفع الجزيه حتى إن أحد ملوك النصارى في شمال الأندلس أهدى له الهدايا العظيمه ليصرفه عن قتاله وكان من ضمن الهدايا أن أهدى ابنته له سبية جارية. فهل رأينا عزا كهذا العز أو مجدا كهذا المجد .!!..
ثم مرت السنون والأيام فقعد حكام المسلمين في الأندلس عن الجهاد في سبيله وانشغلوا بالزخرفة و العمران وانتشر اللهو والطرب وصار طبيعة الحياة وانتشرت القيان والمعازف وصار بدل أن يملأ بلاط الحكام العلماء والعقلاء ملأه الشعراء و المغنون و السفهاء وأصحاب اللهو و المصالح الشخصية أضف الى ذلك تنافس الملوك على الحكم وتفرقهم حتى بلغت دويلات الأندلس اثنتين وعشرين دويلة تقريبا حتى صار ذلك العصر يعرف بعصر دويلات الطوائف فهذا المعتمد وهذا المعتضد وهذا المتوكل وهذا المقتدر وهذا القادربالله وهذا الناصر وهكذا القاب ملوك وسير صعاليك جمعة للمال خونة للأمة لايبالون بمايهدد المسلمين من خطر عدوهم وتربصه بهم حتى قال أحد الشعراء المتضجرين من وضع ملوك الطوائف في الأندلس:
مما يزهد في أرض أندلس ألقاب معتضدفيها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
واستمر المسلمون دويلات متفككة متناحرة حتى كان بعضهم يعقد الحلف مع دول النصارى ضد بعضهم اذا خاف على دويلته من الآخر وحتى ذكر من سخافتهم انه اذا تزوج أحدهم باخت الآخر أو ابنته اتحدا في الحدود ليصيرا بذلك دويلة واحدة والسبب عقد زواج هكذا بمنتهى السخافة و اللا مبالاة . حتىطمع فيهم النصارى وصاروا يباشرون غزوهم بينما هم يلتزمون موقف الدفاع واذا ماهوجم احدهم تفرج عليه الآخر دون أي حراك وكأنه ينتظر دوره الى المذبحة .
استمر هذا الوضع سنين حتى دخل الأندلس أحد العلماء العاملين الربانيين الناصحين وهو الباجي - رحمه الله - فرأى هذا التفرق والتشرذم فجعل أعظم أهدافه أن يسعى في توحيد دويلات الطوائف وبدأ برحلاته الشهيرة في تاريخ الأندلس بين دويلاتها لتوحيد ملوكهم وجمع كلمتهم فكانوا يظهرون له الموافقة والتأييد لكن دون أي تحرك فعلي صادق وبقي الباجي كذلك ثلاثين سنة يحاول جاهدا توحيد كلمة ملوك الطوائف لكن دون جدوى حتى كان الحدث الذي هز المسلمين في الأندلس وكان كارثة فظيعة تلك هي احتلال مدينة بربشتر من قبل أحد ملوك النصارى ذلك فرلند في جيش من النورمان والفرنسيين وكان عدد جيشهم يقارب الأربعين ألف مقاتل فحاصروا بربشتر قرابة أربعين يومًا وكان ذلك عام 456هـ فدخلوها عنوةً وقتلوا ما يقارب المائة ألف وانتهكوا الأعراض فكانوا ينتهكون عرض المسلمة أمام زوجها أو وليها ، وسبوا قرابة خمسة آلاف فتاة من أجمل فتيات المسلمين وأرسلوهن هدية كسبايا لملك القسطنطينية .