فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 1363

فمعرفة قدر هذه الأركان يمنع من التهاون في إقامتها، أو التهاون في توقير أهلها، كما يفعل من لم يفهم حقيقتها، كالذي يهون من جانب الدعوة والجهاد، ويطعن وينتقص من أهلها، لاشتغاله بالعلم، أو الذي يهون من جانب العلم والجهاد، ويطعن ينتقص من أهلها، لاشتغاله بالدعوة، أو الذي يهون من جانب العلم والدعوة، ويطعن وينتقص من أهلها، لاشتغاله بالجهاد.

(6) كل هذه الثلاثة فيها أصول لا تقبل الجدال.. ومسائل تقبل الاجتهاد..

• فأما أصل العلم قيامه على الكتاب والسنة وفقه السلف، وما عداه فباطل..

• وأصل الدعوة قيامها على بيان صحة الإسلام، وبطلان ما سواه من الأديان: يهودية أو نصرانية أو غير ذلك، وكذلك بيان أن الصحيح هو ما عليه الفرقة الناجية: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما عدا ذلك فباطل ..

• وأصل الجهاد جهاد الكفار المحاربين، وهو دفع وطلب، وعز الإسلام فيه، وهو ذورة سنامه..

ثم تأتي بعد ذلك المسائل الخلافية التي هي محل الاجتهاد، لكونها تدور على فهم النص، والنص يحتمل الخلاف فيه:

• ففي العلم، فروع الفقه، والعقيدة؛ يسوغ فيها الخلاف، ولايسوغ فيها التنازع والإنكار.

• وفي الدعوة، وسائل الدعوة توقيفية أم لا؟، يسوغ فيها الخلاف، ولا يسوغ التنازع والإنكار.

• وفي الجهاد، هل تحققت شروط الجهاد أم لا؟، يسوغ فيها الخلاف، لا التنازع والإنكار.

فإذا وقع خلاف في الأصول وجب الإنكار والرد بالتي هي أحسن، وبيان الخطأ في هذا الأصل، وتحذير الناس من الوقوع فيه، ومن اتباع فاعله، فمن غير المقبول المساس بالأصول..

أما إذا وقع الخلاف في الفروع، التي هي محل اجتهاد، والنصوص تحتمله، جاز النقد والرد بالتي هي أحسن، لكن ليس على المتخالفين أن يقعوا في بعضهم بعضا، وأن يحذر بعضهم من بعض، ولايجوز لهم التنازع والفشل، والمعاداة والعدوان وتسليط اللسان، واتهام النيات، والحكم بالهلاك، فهذا كله جور وظلم ونقص في الحكمة وضيق في الرؤية، وفي مثل يقول الله تعالى:

- {ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} ..

- {ولاتكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} .. - {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} ..

فهذا هو البلاء، وبدخول المؤمنين فيه تنزع الرحمة، ويحل الفشل، وينزل العذاب..

فالخلاف في مسائل الفروع، في العقيدة والفقه، لا يسوغ التنازع والتدابر والتقاطع..

والخلاف في وسائل الدعوة، لا يسوغ التنازع والتدابر والتقاطع..

والخلاف في تحقق شروط الجهاد، لا يسوغ التنازع والتدابر والتقاطع..

إذا كان الخلاف مبينا على الدليل الصحيح، الذي يقبل كل هذه الأوجه المختلفة..

والحق لاريب أنه واحد، لكن الآفة في الأفهام، قد توفق فتصيبه، وقد لا تصيبه، فإن اجتهد المرء صادقا في إصابة الحق فهو مأجور مرتين إن أصاب، ومرة إن أخطأ، فكان لاجتهاد أجر، ولو لم يصب، وهذا دليل على رضا الله تعالى عن صنيعه، وإلا ما أثابه، أفيرضى الله تعالى عن هذا المجتهد ويثيبه أجرا، ثم يأتي من يدعي الإيمان وحب الله ورسوله فيسخط عليه، وينازعه، ويعاديه ويظلمه؟!!.

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم عن أصحابه حينما اجتهدوا في فهم أمره: (لايصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فمنهم من صلى في الطريق، ومنهم صلى في بني قريظة، فأقرهما على الاجتهاد، مع أن المصيب واحد لا غير.. وهذا بيان منه صلى الله عليه وسلم بجواز الخلاف في فروع الفقه..

وانسحب خالد بن الوليد بالجيش في معركة مؤتة، خشية عليه من الهلاك، إذ كان عدد جيش العدو مئتي ألف، وعدد المسلمين ثلاثة آلاف، ولما دخل المدينة حثى الناس التراب في وجه الجيش قائلين:

يا فُرار، فررتم في سبيل الله ؟!، فقال النبي صلى الله علي وسلم:

(ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله) . الروض الأنف 7/19

فدل على أن الخلاف في مسائل الجهاد، من حيث توقيت الجهاد والهجوم، أو التراجع، واختيار وقت آخر، من مسائل الفروع التي يسوغ فيها الخلاف، ولا يسوغ في هذا التنازع والعداء..

وبعد هذا: فإذا وجدت أحدا يعادي في مسائل الخلاف، ويقاطع ويدابر، فاعلم أنه:

إما جاهل لا يدري ولا يفرق بين ما يسوغ وما لا يسوغ فيه الخلاف، ومثل هذا كثير، وهؤلاء أصحاب نيات حسنة في الدين، لكن آفتهم عدم البصيرة والعلم.. ودواؤهم التعليم والتبصير..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت