فكل واحدة من هذه الثلاثة لها حد أدنى، ثم بعد ذلك من أراد التوسع فله ذلك، وهو محمود في حقه. فالله تعالى مايز بين الناس، فأعطى كل إنسان ما لم يعط غيره:
فهذا وهبه العلم ويسره له، فهو في دراسة وبحث وحفظ للعلم، وفي تعليم وتدريس وتأليف..
وهذا وهبه فقه الدعوة ويسره له، فهو يجوب الأرض، يدعو إلى الإسلام، يلاحق الناس بدعوته..
وهذا وهبه حب الجهاد ويسره له، لا همّ له إلا فيه، إذا سمع هيعة طار إليها..
هذا التخصص موهبة من الله تعالى، فكل ميسر لما خلق له، لكن ذلك لا يعني ألا يضرب كل من هؤلاء بسهمه في الأبواب الأخرى، كلا، بل يجب على كل طائفة أن تأخذ بالحظ الواجب من كل عبادة من هذه الثلاثة، ثم ما زاد على ذلك من مستحب، فهو مخير في التزود منه.
وقليل جدا من يقدر على الجمع بين هذه العبادات الثلاثة، فيكون عالما داعيا مجاهدا، على التمام والكمال، باستيفاء الواجب والمستحب منها، هذا لايتحقق إلا في الأنبياء، وفي ندرة من غيرهم، وهو مقام كبير، ولم يأمر الله تعالى عباده بتحصيله، لعلمه بضعفهم أن يبلغوه، إنما أمرهم بالحد الأدنى..
تجد إنسانا مبرزا في العلم، ليس كذلك في الدعوة والجهاد.. وآخر مبرز في الدعوة، ليس كذلك في العلم والجهاد.. وثالث مبرز في الجهاد، ليس كذلك في العلم والدعوة.. وهكذا..
فإن هم أخذوا بالحد الأدنى، ثم توسعوا فيما تخصصوا فيه فهم مثابون، وليس عليهم سبيل، وإن هم قصروا في الحد الأدنى، فهم ملومون.. وهذا موجود:
تجد عالما ليس له همّ إلا العلم، وليس له أدنى مشاركة في الجهاد، لابالمال ولابالنفس، وكذا في الدعوة.. وتجد داعية ليس له همّ إلا الدعوة، وليس له أدنى مشاركة في العلم، ولا في الجهاد..
وتجد مجاهدا ليس له همّ إلا في الجهاد، وليس له أدنى مشاركة في العلم، ولا في الدعوة..
فهؤلاء هم أهل التعبد المقيد، بحسب تعبير ابن القيم في"المدارج"، الذين قيدوا أنفسهم في عبادة معينة، واستغنوا عن غيرها، مع كونها مهمة ومطلوبة، فإذا خرج أحدهم عن النوع الذي هو فيه إلى غيره من الطاعات، اتهم نفسه بالنقص والتقصير، فهو يعلي من شأن عبادته على بقية العبادات، ويرى كل الإيمان والقرب في ذلك، كمن يرى أعلى المقامات في العلم، أو من يرى أعلى المقامات في الدعوة، أومن يرى أعلى المقامات في الجهاد، ثم يقلل من شأن بقية العبادات!!..
أما أهل التعبد المطلق، فهم الذين ليس لهم غرض في عبادة معينة، بل غرضهم عبادة الله تعالى في كل ما أمر به، ولو كان حظ نفوسهم في غيرها، تراهم مع العلماء في حلق العلم، ومع الدعاة في أبواب الدعوة، ومع المجاهدين بالنفس والمال، يضربون بسهم في كل طاعة قدر الاستطاعة، ويجتهدون ويجدون فيما تخصصوا وأتقنوا، لكن لا يهملون ولا يضيعون سواه..
فالكمال: الغنيمة من كل العبادات قدر الإمكان..
والواجب: الأخذ بالحد الأدنى منها..
والمفترض: وضع كل إنسان في مكانه اللائق به، ليعطي وينتج أحسن ما لديه:
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقد أرسل خالد بن أنيس إلى خالد الهذلي لما بلغه أنه جمع العرب لقتال المسلمين، ولم يرسل أبا بكر، وأرسل معاذا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن للتعليم والدعوة ولم يرسل خالد بن الوليد وعمرو بن العاصي، وأرسل خالدا وعمرا على رأس السرايا والجيوش ولم يرسل عمر ولا عثمان رضي الله عنهم، فهذا هو الفقه في التعامل مع مواهب البشر..
(5) السمة الجامعة: التآلف والتعاون..
السمة الجامعة بين هذه الفئات الثلاثة هي: التآلف، والتعاون، والمحبة، والنصرة، والإكرام.. مهما تباينت وجهات النظر، إذا كانت ضمن دائرة النص والاجتهاد..
فالعالم يوقر المجاهد والداعية.. والداعية يوقر العالم والمجاهد.. والمجاهد يوقر العالم والداعية..
فكلهم على ثغرة من ثغور الإسلام، وكلهم على عمل عظيم، وكلهم في حاجة إلى بعضهم بعضهم.. فإذا علم أن من الندرة أن تجتمع هذه الثلاثة: العلم والدعوة والجهاد؛ في شخص واحد، علم أن التكامل مرتبط بالاجتماع لا بالفردية، وعلى ذلك فهم بدون اجتماع في نقص وضعف، ولا كمال ولاقوة إلا باجتماعهم، والإسلام لايعلو إلا بهذه الثلاثة، فهي أساسه وقوامه..
وكل هؤلاء له مقام كبير في الدين:
• فالعلماء ورثة الأنبياء، هم الذين يعلمون الناس الخير، وهم أهل القرب من الله والخشية لله تعالى..
• والدعاة هم رسل القلوب، وهم الذين يمدون أيديهم لإنقاذ الناس، فهم أهل محبة الله تعالى..
• والمجاهدون هم حماة الدين وحفظته، وعز الإسلام، فهم جند الله.
فهي أركان ثلاثة، وأهلها هم أركان الإسلام، وإذا سقط ركن سقط الإسلام، فلم يقم في الأرض، ولايمكن لركنين أن يقوما بدون ثالث، أبدا.
والأمة في حاجة إلى العلماء والدعاة والمجاهدين، فإذا غابت فئة اختل ميزان الأمة ومال، وفي ذلك نقصان الأمة وزوالها من مرتبة الريادة وإمامة البشرية.