فهرس الكتاب

الصفحة 1048 من 1363

إلى أن قال: وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا يتكلمون فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله -أي الملك-... وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضًا، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم - أي الملك على العلماء - بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان، فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحد منهم بسوء، وقال: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له - أي الملك: إنهم قدآذوك وأرادوا قتلك مرارًا؛ فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي؛ وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح.

قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية، حَرَّضْنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجَّ عنا).

9.وقال ابن القيم مادحًا ابن تيمية: (كان يدعو لأعدائه، ما رأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيت له يومًا أحد معارضيه الذي كان يفوق الناس في إذائه فزجرني، وأعرض عني، وقرأ:"إنا لله وإنا إليه راجعون"، وذهب لساعته إلى منزله فعزى أهله، وقال: اعتبروني خليفة له، ونائبًا عنه، وسأساعدكم في كل ما تحتاجون إليه؛ وتحدث معهم بلطف وإكرام، بعث فيهم السرور، فبالغ في الدعاء لهم حتى تعجبوا منه) .

هذه النماذج الرائعة والصور الجميلة توضح ما كان عليه سلفنا الصالح من الفقه والأدب والورع وحسن الخلق، وتبين كذلك البون الشاسع والفرق الواسع بيننا وبينهم، حيث أن بعضنا يفتعل أسباب الخلاف افتعالًا، بإفشاء الزلات وتضخيمها، وستر الحسنات وإخفائها، ويعادي من غير سبب شرعي، على الرغم من أن الأسباب التي تدعو إلى الائتلاف والتوافق أكثر من أن تحصى في هذا العصر، من تكالب الأعداء من كفار ومنافقين وجهلة ومبتدعين.

والله أسأل أن يؤلف بين قلوب المسلمين، ويهديهم سبل السلام، وأن يرينا وجميع إخواننا المسلمين الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا من الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا القائل:"سدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا"، وعلى آله وصحبه ومن والاهم.

الحمد لله الذي جعل سر حياة المخلوقات جميعًا في الماء، فقال:"وجعلنا من الماء كل شيء حي"، وصلى الله وسلم وبارك على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، الرؤوف الرحيم، ذي الخلق العظيم، القائل:"في كل كبد رطبة أجر"، والقائل:"اتقوا النار ولو بشق تمرة".

أفضل الصدقة على الإطلاق سقي الماء، سيما لمن احتاج إلى ذلك من إنسان أوحيوان، وأفظع الجرائم حرمان سقي الماء لمن قدر عليه، لمن احتاج إلى ذلك، وإليك الأدلة:

أولًا: قوله تعالى:"ونادى أصحابُ النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أومما رزقكم الله قالوا إن الله حرَّمهما على الكافرين".

قال ابن عباس رضي الله عنهما وقد سئل أي الصدقة أفضل؟:"الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة:"أن أفيضوا علينا من الماء أومما رزقكم الله"؟"

ثانيًا: روى أبو داود في سننه أن سعد بن عبادة رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أيُّ الصدقة أعجب إليك؟ قال: الماء؛ فحفر بئرًا فقال: هذه لأم سعد".

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال سعد:"يا رسول الله، إن أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم، وعليك بالماء، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن عبادة أن يسقي عنها الماء".

قال القرطبي في تفسير الآية السابقة:(في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال.

ثم قال معلقًا على أمره صلى الله عليه وسلم لسعد أن يتصدق عن أمه بالماء: فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى، وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء).

ثالثًا: ومن الأدلة كذلك على فضل سقي الماء ما خرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:"بينما رجل بطريق فاشتد عليه العطش فنزل بئرًا فشرب منها ثم خرج، فإذا كلب يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي؛ فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له"، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ قال:"في كل ذات كلب رطبة أجر".

وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم:"بينما كلب يُطيف برَكية، كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها - يعني خفها - فسقته، فغفر لها به".

فهذه بغي من البغايا، وممن؟ من بني إسرائيل الملعونين على ألسنة الأنبياء والمرسلين والصالحين إلى يوم الدين، والمسقي كلب من الكلاب، فكيف بمن سقى إنسانًا؟ بل وكيف بمن سقى مؤمنًا موحدًا فأحياه:"فكأنما أحيا الناس جميعًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت