فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 1363

ما طعم الحياة إذا أضحى الإنسان كالسائمة، همه ملأ بطنه، وتحقيق شهواته، والاستجابة إلى نزواته؟

ماذا ينتظر المؤمن إذا سلب حلاوة الإيمان؟"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يبغض أن يعود إلى الكفر كما يبغض أن يلقى في النار"الحديث، وأصبح يعيش كما يعيش الحيوان؟ من غير ولاء ولا براء، ولا خوف ولا استحياء؟

كيف يهدأ بالك، وتطمئن نفسك، وتسعد حياتك؟ واليهود والنصارى وعملاؤهم قد ملكوا أمرك، وغزوا ديارك؟ واستولوا على حياضك؟ وجاءوا عند بابك وأذلوا كبرياءك؟ وداسوا كرامتك، وأيموا نساءك، ويتموا أطفالك؟ وقتلوا شبابك وصبيانك؟ وعاثوا فسادًا في فتياتك، ونهبوا ثرواتك؟

أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصًا جناحاه

لقد أذل الكفار الأعزاء من أبناء الأمة، وأكرموا الأذلاء، وحرموا العلماء من الخطابة والحديث والتدريس، وأنطقوا الرويبضة، وفسحوا المجال للعملاء والسفهاء فتطاولوا على الكبراء الأجلاء، وأشانوا سمعة الأخيار الفضلاء، لقد غيروا الموازين، وخلطوا بين المفاهيم، وأساءوا إلى المحسنين، وأحسنوا إلى المسيئين.

ليس للخروج من هذه المحن من سبيل إلا بالاستمساك بحبل الله المتين، والاعتصام بسنة سيد المرسلين، والاقتداء بالسلف الصالحين، والعود إلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الميامين.

ولا يتم ذلك إلا بتصحيح العقائد، ونبذ اليأس والقنوط والخلاف، وبالعزم والإصرار، وموالاة جميع المسلمين، وبذل النصح والتوجيه لكافة إخوة الدين، وبدعم المجاهدين ومواساة الفقراء والمساكين، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

والله المسؤول أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يلهمهم رشدهم وصوابهم، وأن يلم شعثهم، ويعينهم على أنفسهم وعدوهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، لا رب سواه، ولا إله غيره، وصلى الله على نبي الملحمة الضحوك القتال، وعلى آله وصحبه الأخيار، وعلى أتباعهم بإحسان

الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملًا، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا القائل:"أكثروا من ذكر هادم اللذات"، الموت، مفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات، ومؤيم الأزواج والزوجات، وقاطع الأعمال الصالحات، المقرب إلى العرصات، المجرع للحسرات، الناقل من البيوت والقصور إلى القبور الموحشات، المفجع للأهل والقرابات، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم في الخيرات.

من العجيب الغريب أن كثيرًا من الناس لا يذكرون الموت ولا يحبون أن يذكَّروا به، ومنهم من يتشاءم بمن يذكره بذلك، وينبهه لما هنالك، كأنما كتب الموت على غيرهم، ونسوا أوتناسوا أن الأحياء جميعًا هم أبناء الموتى، وذراري الهلكى، أين الآباء والأجداد؟ بل أين بعض الأبناء، والازواج، والأقارب، والجيران، والأحفاد؟

ما منا من أحد إلا ومعه أصل شهادة وفاته، فقد نعى الله إلينا رسولنا، ونعانا إلى أنفسنا، فقال:"إنك ميت وإنهم ميتون"، وما يستخرج من شهادة بعد الوفاة إنما هي صورة طبق الأصل لما سجله الملائكة للعبد وهو في رحم أمه، ورحم الله ابن الجوزي حين قال في قول الله عز وجل:"كل من عليها فان": (هذا والله توقيع بخراب الدنيا) ، إي وربي، إنه توقيع وأي توقيع! ليس فيه تزوير، لا يقبل المراجعة، ولا تجدي فيه الشفاعة.

فالموت لا يميز بين صغير وكبير، ولا صحيح وسقيم، ولا غني وفقير، ولا أمير ووزير وغفير، ولا عالم ولا جاهل،ولا بر ولا فاجر:"إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون".

رحم الله العلامة الشهير، والشاعر المجود القدير، والواعظ الناصح البصير، أبو إسحاق الألبيري حين قال مذكرًا ابنه أبا بكر بأن الموت لا يفرق بين صغير وكبير، في قصيدته الشهيرة التي حث فيها ابنه على طلب العلم والاشتغال به، التي مطلعها:

تفتُّ فيؤادك الأيامُ فتًا وتنحتُ جسمكَ الساعاتُ نحتا

وتدعوك المنونُ دعاءَ صدق ألا يا صاح أنت أريدُ أنتا

أراك تحب عِرْسًا ذات خدر أبتَّ طلاقها الأكياسُ بتا

تنام الدهر ويحك في غطيط بها حتى إذا مت انتبها

فكم ذا أنت مخدوع وحتى متى لا ترعوي عنها وحتى

أبابكر دعوتك لو أجبتَ إلى ما فيه حظك لوعقلنا

إلى علم تكون به إمامًا مطاعًا إن نهيتَ و إن أمرتا

إلى أن قال:

ولا تقل الصبا فيه امتهال وفكر كم صغير قد دفنتا

وقال مذكرًا نفسه على لسان ابنه:

تقطعني على التفريط لومًا وبالتفريط دهرك قد قطعتا

وفي صغري تخوفني المنايا وما تدري بحالك حيث شبتا

وكنتَ مع الصبا أهدى سبيلًا فمالك بعد شيبك قد نكثتا

وناداك الكتاب فلم تجبه ونبهك المشيب فما انتبهتا

ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخ قد تفتا

ونفسك ذم لا تذمم سواها لعيب فهي أجدر من ذممتا

وأنت أحق بالتنفيذ مني و لو كنت اللبيب لما نطقتا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت