فهرس الكتاب

الصفحة 979 من 1363

5.أن صدق النية وحده لا يكفي في قبول العبادات، بل لابد للعبادة من موافقة السنة، وإلا فهي باطلة، قال تعالى:"هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارًا حامية"، حيث لم يغن عنهم إخلاصُهم شيئًا عندما خالفوا المتابعة، وكان عليٌّ رضي الله عنه يرى أنها نزلت في الخوارج.

ومما يدل على خطورة عدم الاتباع للسنة في العبادة ما قاله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته ثلاثًا:"صلِّ فإنك لم تصلِّ"، حيث خالفت صلاتُه صلاةً رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاطمئنان، ولم يستفسر عن صدقه وإخلاصه.

شبه المجيزين لاستعمال السُّبحة ونحوها في التسبيح ودحضها

يستدل المجيزون لاستعمال السُّبحة في عدِّ التسبيح ونحوه بشبه هي:

1.أن ذلك من باب البدع الحسنة، وما علموا أنه ليس هناك بدعة حسنة بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلُّ بدعة ضلالة"، فلم يفرِّق بين بدعة وبدعة، وقد أوتي جوامع الكلم، وذلك لخلطهم بين المصالح المرسلة الجائزة، نحو كتابة المصحف، وتدوين العلم، وبين البدع المحدثة المحرمة؛ وبمقولة عمر رضي الله عنه:"إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة هي"، وصلاة القيام سنة سنها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يداوم عليها مخافة أن تفرض، هذا بجانب أن عمل عمر سنة، فمراد عمر رضي الله عنه بذلك البدعة اللغوية، وليست البدعة الشرعية؛ وكذلك يستدلون على تقسيم البدع إلى حسنة وسيئة بقوله صلى الله عليه وسلم:"من سنَّ سنة حسنة.."الحديث، ومناسبة الحديث ترد هذه الشبهة، وذلك عندما أسرع أحد الصحابة بإحضار كمية من الطعام والملابس لبعض الأعراب الذين ضافوا الرسول صلى الله عليه وسلم، واقتدى به غيره، فقال صلى الله عليه وسلم:"من سنَّ سنة حسنة..".

2.أن السُّبحة وسيلة وليست عبادة، ويردُّ ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن لأصحابه وسيلة الذكر باللسان المقيد بأن عدَّه بأنامل يده، فمن رغب عن سنته إلى غيرها فليس منه.

3.بعض الآثار التي وردت عن بعض الصحابة في التسبيح بالحصى وغيره: لقد وردت آثار عن بعض الصحابة في التسبيح بالحصى كلها ضعيفة، ووردت آثار في النهي عن ذلك، منها الصحيح، وهو أثر ابن مسعود، ومنها الضعيف، وفيما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا، وعملًا، وتقريرًا، أنه لم يستعمل قط إلا أنامل يده، غنى وكفاية.

قال الشيخ الدكتور بكر أبو زيد في كتابه القيم"السُّبحة تاريخها وحكمها":(الخلاصة أن في الإنكار على من سبَّح بالحصى أوالنوى آثارًا عن ثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم، وهي عن عمر رضي الله عنه، رواه ابن أبي شيبة وفي سنده انقطاع، وعن عائشة رضي الله عنها، رواه ابن أبي شيبة وفي سنده جهالة، وعن ابن مسعود رضي الله عنه، وجلُّ أسانيده كالشمس صحة وصراحة في النهي والإنكار، وفي وقائع متعددة.

وأن في الإقرار ستة آثار عن ستة من الصحابة رضي الله عنهم، وهي عن عليّ رضي الله عنه، رواه ابن أبي شيبة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أثران، أحدهما في أبي داود وغيره، وفي سنده جهالة، والثاني لم أقف عليه، وعن أبي الدرداء من فعله رضي الله عنه، وفي سنده انقطاع رواه عبد الله في زوائد الزهد لأبيه، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من فعله، رواه ابن أبي شيبة، وعن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم من فعله رضي الله عنه، رواه أحمد في الزهد والعلل وفي سنده جهالة، فصارت آثار التسبيح بالحصى المذكورة لا تخلو أسانيدها من مقال، وآثار النهي والإنكار عن عمر وعائشة رضي الله عنهما كذلك، وأما عن ابن مسعود فهي صحيحة صريحة في النهي والإنكار على من فعله، ولا معارض له في إنكاره على من فعله، وإعلانه له، وقولته العظيمة:"لقد أحدثتم بدعة ظلمًا، أوفضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علمًا"، والله أعلم).

ثم ذكر طرفة شبيهة بما يفعله البعض الآن، وهو ما يعرف بـ"الجرد"، رواها الجاحظ في البيان والتبيين، وابن قتيبة في عيون المعارف:"أن عبد الملك بن هلال الهنائي عنده زنبيل ملآن حصى، فكان يسبح بواحدة واحدة، فإذا ملَّ شيئًا طرح اثنتين اثنتين، ثم ثلاثًا ثلاثًا، فإذا ملَّ قبض قبضة وقال: سبحان الله بعدد هذا كله، وإذا بكَّر لحاجة وكان مستعجلًا لحظ الزنبيل لحظة وقال: سبحان الله عدد ما فيه."

ثم بيَّن في بحثه هذا عن السُّبحة أنها دخيلة على كل الأديان، وأنها كانت معروفة منذ عصور ما قبل التاريخ، قيل منذ عام 800م، وأنها من وسائل التبعد لدى البوذيين والبراهمة وغيرهم، ثم تسربت إلى القسس والرهبان، ثم إلى المسلمين.

والله أسأل أن يوفقنا وجميع إخواننا المسلمين إلى ما يحب ويرضى، وأن ييسرنا لليسرى، وينفعنا بالذكرى، إنه ولي لك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين - (ج 13 / ص 175)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت