جرى ذلك رغم استنجادات أهل بربشتر بملوك دويلات الطوائف ولم يتحرك أحد ، يذكرنا هذا بما جرى للمسلمين في البوسنة وكأني الساعة أتذكر تجوال رئيس البوسنة علي عزت بيجوفيتش بحكام المسلمين يتسولهم شيئًا من المال لكي يسلح المسلمين هناك ولكن لم يجبه أحد فكانت النتيجة ما يقارب مئتي ألف مسلم قتيل وانتهك عرض خمسين ألف مسلمة بينما توزع ثلاثون ألف فتاةٍ مسلمة على معسكرات الجيش الصربي وأرسل الآلاف من الأطفال المسلمين ليباعوا في أوربا على الكنائس والأديرة لإعدادهم ليكونوا رهبانًا وقسس نصارى .
لم يصبر العلماء لما سقطت بربشتر ولما حدث ما حدث تحرك العلماء وجمعوا الناس للجهاد وكان من هؤلاء العلماء ابن حزم وابن عبد البر وابن رشد في جيش من المسلمين متطوعين بلغوا خمسة آلاف مجاهد فاستطاعوا أن يهزموا حامية النصارى في بربشتر ولم يقتل منهم إلا خمسين مجاهدًا بينما قتل من النورمان النصارى ألف وخمسمائة وتحررت بربشتر وعادت إلى المسلمين مما دل على أن المسلمين ليسوا ضعفاء وأنهم إذا رجعوا للجهاد وابتعدوا عن الإخلاد إلى الأرض والدعة فإنهم هم الأعز وغيرهم الأذل .
لكن الأمر بشكل عام كان كما هو عليه تفرق وتشرذم . حتى إن الفونسو ملك النصارى زاد في إذلال المسلمين فبلغ به الحال أن أرسل إلى ملك إشبيلية المعتمد بن عباد يطالبه باثنتين أن يدفع الجزية وكانت الثانية في منتهى الإذلال للمسلمين وذلك أنه طلب من المعتمد أن يسمح لزوجته أن تلد في جامع قرطبة مما أغضب المعتمد بن عباد وجعله يقتل وفد الفونسو عندها حاصره الفونسو حصارًا شديدًا وأرسل له رسالةً في منتهى الغطرسة والتكبر يقول فيها أرسل إلي مروحةً أروح بها عن نفسي فكتب إليه المعتمد رسالةً جعلته يرجع ويترك الحصار إذ قال له: ( والله لئن لم ترجع لأروحن لك بمروحةٍ من المرابطين تروح بها نفسك ) ثم قال: ( والله لئن أرعى الجما ل أحب إلي من أن أرعى الخنازير ) . عندها رجع الفونسو وحاصر طليطلة أهم مدن المسلمين في العالم محاولًا فتحها.
وأخذت الأحداث تتسارع والباجي رحمه الله يرقب الأحداث بقلق وكان ذلك قبيل وفاته عام 474هـ فجمع العلماء وطلب منهم أن يعبروا البحر إلى المغرب حيث دولة المرابطين الدولة الإسلامية القوية دولة العلم والجهاد ليستنجدو بأمير المجاهدين فيها يوسف بن تاشفين رحمه الله وكان آنذاك قد بلغ من العمر ثمانين سنة ومع ذلك لم ينزل عن صهوة جواده يجاهد في سبيل الله فاتجه الوفد إلى حاكم دويلة بطليوس وكان أفضل الموجودين فأيدهم وساعدهم بتموينهم في هذه الرحلة فانطلقت الرحلة وعبرت البحر حتى قدمو على دولة المرابطين وقابلو أميرها يوسف بن تاشفين -رحمه الله- .
وكان لقيام هذه الدولة العظيمة في تاريخ الإسلام قصة طريفة وهي أن شيخ قبيلة جدالة البربرية في المغرب ويسمى يحيى بن عمر بن ابراهيم الجدالي توجه إلى القيروان فقابل علمائها فطلب منهم أن يرسلو معه أحدهم لينشر في قبيلته جدالة العلم والقرآن فتوجه معه أحد العلماء المعدودين آنذاك وهو عبد الله الفاسي فأقام لهم رباطا أي مخيما كبيرا وكان يقوم على العلم والجهاد معًا فالإسلام علم وجهاد حتى تكّون من هذه القبيلة ألف كلهم صاحب علم وجهاد ثم توفي يحيى زعيم هذه القبيلة فتولى بعده أخوه أبو بكر ثم إن خلافا حدث بين قبائل صنهاجة البربرية فذهب أبو بكر ليصلح ما جرى بينهم من خلاف ووكل ابن عمه يوسف بن تاشفين لإدارة الأمور إلى حين رجوعه وكان آنذاك شابا فطنا ذكيا لبيبا حكيما شجاعا فأدار الأمور على خير وجه وطور الدولة وأسس كثيرا من الأنظمة وسن القوانين الإدارية فلما رجع أبو بكر الجدالي وجد ما أذهله وأدهشه من حسن التنظيم فقام بما لم يتوقعه أحد قال هذا الفتى افضل مني في هذا الأمر وتنازل عن الحكم ليوسف بن تاشفين لكفائته رحمه الله فلم يكن ملكا بل كان خليفة صالحا فتولى يوسف الأمور حتى بلغت دولته المغرب العربي كله وصارت كل الدول تهابها هذا ملخص نشأة دولة المرابطين .