فهرس الكتاب

الصفحة 485 من 1363

ومثله قوله تعالى: ( يا أيها الناس! إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب) ، ونحو قوله: ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى وهو الخلاّق العليم) .

ومن أمثلة المذهب الكلامي في كلام الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) نحو قوله (صلى الله عليه وآله) : «أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلّكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: فليبلغ الشاهد الغائب..» .

تضمن هذا القول الشريف أعظم البراهين والحجج؛ فقوله: «وإن أباكم واحد» حجة على أن ربكم واحد، حيث أنكم تسلمون بأنكم جميعًا لأب واحد، وهو آدم.

فلا بدّ أن تسلموا نه لا يمكن أن يكوون الخالق لآدم أكثر من واحد، لأن ذلك من البديهيات. ثم إن هذه حجة ساطعة على دعوى عدم أفضلية جنس على جنس إلا بالتقوى، حيث أنكم تسلمون بأن كل الناس لأب واحد، إذًا فلا قربى لأحد منكم عند الخالق بجنس أو عنصر، وإنما القربى لديه تكون بقدر طاعته، سبحانه وتعالى.

(2) التسليم الجدلي

ويسمى بالافتراض الجدلي: وهو أن يفرض المتكلّم حصول أمر محال الوقوع، ومشروط بحرف الامتناع -لو- أو منفي، ثم يسلم بوقوعه، أو إمكان وقوعه، تسليمًا جدليًا، وذلك لإثبات ما بعده.

أقول: هو افتراض وقوع أمرٍ محال الوقوع، افتراضًا جدليًا، لإثبات ما بعده، وبإثبات ما بعده، والتسليم به، تصح دعوى المحالية للأمر المفترض وقوعه. نحو قوله تعالى: ( ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه إله إذًا لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض) ، فقوله: ( ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله) نفي الشريك، وقوله: (إذًا..) بمعنى إذا سلمنا بصحة دعوى الشريك، فلا بدّ أن نسلم بأن كل إله يذهب بما خلق، ويتعالى بعضهم على بعض، وهذا ما ليس بحاصل، حيث أننا نرى أن كل الخلق ذو نظام واحد، وذلك يدل على أن الخالق واحد.

ولو أن أحد الإلهين علا على الآخر، لكان المتعالي هو الإله الحقيقي الواحد الأحد. وبعد أن تثبت ذلك، يلزم التسليم باستحالة الفرض الذي فرض جدلًا، وهو دعوى الشريك، وهو المطلوب إثباته.

ونحو قول تعالى: ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ، وجود آلة غير الله أمر محال، ولكن افترضت صحته جدلًا بحرف الامتناع، وذلك لإثبات الدعوى بعده، وهو فساد السماوات والأرض، فإن صح فسادهما، صح وجود غير الله، وإن لم يصح فسادهما، بطلت دعوى وجود غيره، تبارك وتعالى. وحيث أن الواقع يثبت أن السماوات والأرض قائمتان بأمره، دلّ على بطلان الدعوة المفروضة.

أقول: قد وجدنا في القرآن الكريم من التسليم الجدلي، ما ليس بمنفي، ولا مشروط، نحو قوله تعالى: ( ألكم الذكر وله الأنثى؟ تلك إذًا قسمة ضيزى) ، بمعنى أنه إذا سلمنا جدلًا بأن لكم الحق في التقسيم، فلا بدّ أن تسلموا بان تجعلوا ما تحبون لكم، وما تكرهون لله، قسمة ظالمة، ومن ثم يلزمكم التسليم بأنه ليس لكم الحق في التقوّل على الله سبحانه وتعالى، والقرآن الكريم مشحون بتلك اللطائف والحجج الدامغة.

(3) أسلوب الحكيم

أسلوب الحكيم من أدق وألطف أنواع البديع لأنه من الرادعات لأهل الفضول في الحديث.

وهو: أن يأتي المتكلم بجواب لمخاطب يقتضي ظاهره خطابه، ومخالفًا لمراده، مع علمه به.

وقالوا: إنه إتيان المخاطب بغير ما يترقبه نحو قوله تعالى: ( يسألونك عن الجبال قل: ينسفها ربي نسفًا) ، فمراد السائل هو السؤال عن حقيقة الجبال، وفي السؤال فضول حيث أنه ليس من وظائف الرسل بيان مثل هذه الأمور، وإن كانوا عالمين بها، ولذلك كان الجواب على ظاهر السؤال مخالفًا لمراد السائل وهو (ينسفها ربي نسفًا) بمعنى أن هذه الجبال على عظمتها وضخامتها، ينسفها ربي نسفًا، وهذه من وظائف الرسل، وهو بيان صفات الله سبحانه.

ونحو قوله: ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) ، فالمراد من السؤال هو معرفة الأهلة، وأفلاكها، وظهورها، واختفائها، وهذه من المسائل التي قد لا يتحملها عقل السامع وفكره، ولذلك كانت الإجابة حكيمة، حيث أنها جاءت على ظاهر السؤال مخالفة للمراد، فبينت فوائد الأهلة للإنسان.

ونحو قوله (صلى الله عليه وآله) لمن سأله متى الساعة؟ فأجاب: وماذا أعددت لها؟، فالسؤال عن متى الساعة، فضول، وشغل النفس بما لا ينبغي الإنشغال به، بل يجب إشغالها بما يفيدها وهو إعداد النفس لها.

ونحو قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لمن سأله عن المسافة بين السماء والأرض؛ فقال: «دعوة مستجابة» .

السائل يسأل عن المسافة القياسية بين السماء والأرض، والفضول ظاهر في السؤال. ولكن الإمام (عليه السلام) تجاهل مراد السائل، وأجابه على ظاهر سؤاله فقال: «دعوة مستجابة» .

(4) القول بالموجب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت