فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 1363

والجدال لا يبعد أن نسميه حوارًا بزيادة قصد الغلبة، نحو قوله تبارك وتعالى: ( فقال لصاحبه وهو يحاور أنا اكثر منك مالًا وأعزّ نفرًا) (الكهف: 34) ... الآيات.

ويتنوّع الجدال إلى حسن وسيء باعتبار هدفه وغايته، وباعتبار أسلوبه وطريقته.

فالجدال الهادف إلى إحياء عصبيات عرقية أو عنصرية أو طائفية، أو غرضه التعالي، والتفاضل الشخصي والأناني، أو بقصد الشهرة والتظاهر، جدال سيء. حتى لو كانت الوسيلة جيدة وعلمية.

وكذلك إذا كان أسلوبه الطعن والمغالطة والتجريح وكشف العورات والكذب جدال سيء حتى لو كانت الغاية سامية ونبيلة، فلا الوسيلة تبرر الغاية، ولا الغاية تبرر الوسيلة في الجدال السيء وأما الجدال الحسن فهو الذي يكون هدفه الأول والأخير هو الحق ولا سوى الحق والوصول إلى الحقيقة وليس إلى غيرها مع مراعاة الوسيلة العلمية الصالحة الشريفة.

مقومات الجدال الحسن

إن للجدال الحسن مقوماته التي يجب مراعاتها من اجل الوصول إلى المثالية فيه، بحفظ التوازن النفسي والمنطقي ليحول دون الخروج عن الموضوعية والابتعاد عن الهدف المنشود، ويمكننا أن ننوّع مقومات الجدال الحسن إلى: مقومات نفسية، مقومات منطقية أو جدلية.

أولًا: المقومات النفسية.

إن أهم مقوم نفسي للوصول بالجدال إلى أسمى أهدافه هو أن يضع المجادل هدف المجادلة وهو الإسلام أمام عينه بحيث لا يحيد عنه أبدًا، ولا يتحول عنه بتاتًا، حتى لا يدع مجالًا لهوى النفس تحت ضغط المجادلة أن تنتصر لنفسها وتنسى هدفها الصحيح.

ثانيًا: أن ينظر المجادل الإسلامي إلى خصمه باحترام، وتقدير لعقله ورأيه، ليقطع الطريق أمام نفسه الإمارة بالسوء أن تتكبر أو تتعالى.

ثالثًا: أن يلزم نفسه بخلق الإسلام الذي ينهى عن فحشاء القول ومُنكِر السلوك.

رابعًا: أن يبتعد عن الذاتية والأنانية والانتصار للذات.

وأما المقومات الجدلية أو المنطقية، فكثيرة أهمها:

أولًا: حسن الاستدلال وهو أن يكون الدليل ثابتًا ومباشرًا على ما يريد الاستدلال عليه فلا يكون الدليل لشيء والموضوع شيء آخر.

وأن يكون مباشر أي دليل ليس بينه وبين الموضوع واسطة أو أن يكون بعيدًا عن الموضوع.

وأن يكون الدليل مما يؤمن به الطرف الثاني من المجادلة، وإلا لما كان للدليل أثر في نفس المجادَل.

ثانيًا: أن يكون البرهان صحيحًا نتج عن انضمام مقدمتين صحيحتين في الواقع الملموس للمجادل.

ثالثًا: أن يكون جواب الداعية الإسلامي حال المجادلة دقيقًا، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا أحسن الاستماع للطرف الثاني وفهم واستيعاب قوله، فإن العجلة والمقاطعة، والاستهانة تؤدي دائمًا إلى عدم موفقية الإجابة على شبهات الخصم.

رابعًا: العفو عن زلات لسان الخصم، أو قوله غير المقصود منه، وعدم التركيز أو الوقوف عليه.

خامسًا: عدم السماح بالخروج عن الموضوعية العلمية، أو تفرع النقاش والجدال.

سادسًا: إذا أدرك الداعية أن الجدال سيأخذ شكلًا غير لائق، أو أنه سيصل إلى طريق مسدود فعليه بأدب إسلامي رفيع أن يرجئ المجادلة بحيث يدع الباب أمام خصمه مفتوحًا.

وإليك بعض النماذج لطرق الجدال الحسن نقلتها من كتاب (البلاغة العربية) (2) :

المذهب الكلامي (3)

وهو أن يأتي البليغ بحجة قاطعة، ليبرهن على ما يدعيه على طريقة أهل الكلام، بحيث أن تكون هذه الحجة مسلمة عند المخاطب، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت بعد تسليم بالمقدمات المسلتزمة للمطلوب.

وقالوا: إن أول من وضعه الجاحظ، وقال: إنه لا يوجد شيء منه في القرآن!

وأجيب عليه بقولي أن القرآن مشحون بجميع أنواع الحجج، والأدلة، والبراهين ومن أمثلة المذهب الكلامي في القرآن الكريم قال تعالى: ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه) ، فقوله تعالى (وهو الذي يبدأ الخلق) ، هذه الدعوى مسلّم بها عند الكافرين كما جاء في قوله تعالى: ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض؟ ليقولن الله) ، وقوله: (ثم يعيده) دعوى أنكرها الكافرون وقوله: (وهو أهون عليه) برهان ساطع، ودليل قاطع، على صحة الدعوى بالقدرة على إعادة الخلق، حيث أن إعادة الخلق أهون من بدئه الذي سلّمتم به، وإذا كان كذلك، يلزمكم التسليم بصحة هذه الدعوى.

ومن ألطف البراهين القاطعة التي تحمل في طياتها المذهب الكلامي قوله تعالى: ( وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه، قال: من يحيي العظام وهي رميم؟ قل: يحييها الذي أنشأها أول مرة، وهو بكل خلق عليم) .

وقصة الآية: أن الأخنس بن شريق، أو عتبة بن الربيعة، جاء ببعض العظام البالية من المقابر، وطحنها بي يديه، وقال للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) : من يحيي العظام وهي رميم؟ والمقصود أنه أنكر دعوى الإعادة، فكانت الإجابة برهانًا دامغًا، حيث أن دعوى البدء مسلّم بها، وإنّ الإعادة أهون من البدء، فدعوى الإعادة صحيحة مسلتزمة لأن الخلق من موجود أهون من الخلق من عدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت