وأستطيع أن أعرف الموعظة الحسنة بأنها هي النصيحة الهادفة إلى الخير، والدّالة عليه؛ وهذا هو المعنى العام لكلمة موعظة، فالزجر موعظة ولكن الموعظة ليست في كل معانيها زجرًا فقد تستعمل كلمة موعظة بقدر الأمر المستتبع للخير كما في قوله تعالى: ( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى) (سبأ: 46) .
بمعنى قل إنما آمركم بأن تفعلوا واحدة من اثنتين أن تقوموا لله مثنى أو أفرادًا.
والزجر أو الأمر أو التذكير أو غير ذلك مما يستتبع شيئًا ما يسمى نصيحة فإن كان المستتبع خيرًا كانت موعظة حسنة وإن كان المستتبع شرًا كانت الموعظة سيئة.
وقد وردت كلمة موعظة في القرآن بمعاني متعددة، منها على سبيل المثال، قوله تعالى: ( فاعرض عنهم وعظهم) (النساء: 63) أي وحذّرهم وخوفهم.
وقوله تعالى: ( يعظكم الله أن تعودوا لمثله إن كنتم مؤمنين) (النور: 117) . أي ينهاكم ويحذركم.
ويمكن بعد ما تقدم أن نضع تعريفًا للموعظة الحسنة المقصودة في قوله تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) بأنها هي القول البليغ اللين الهادئ المتضمن لتخويف وزجر مع عدم التصريح بالزجر والتخويف أو الأمر أو التذكير، كالأمر بفعل ما يستتبع خيرًا للفاعل أو التذكير بعاقبة الخير للأخيار أو الشر للأشرار بقصد الحث على فعل الخير وترك الشر.
ثالثًا: الجدال بالتي هي أحسن (الجدال الحسن)
والجدال كالموعظة دليلٌ وعلامة على حسن النية أو سوء النية عند الداعية، ولكنها في الجدال أوضح وأكثر دلالة على النية، وذلك لأن الجدال تباري مع الخصم وتبادل حجج لإثبات كل واحد صحة ما هو عليه. وهنا مكمن الخطورة، أو الشعرة الفاصلة بين النية الحسنة في الجدال والنية السيئة فيه. لأن المجادل يبحث عن النصر والتفوق في الجدال. فإن كان الجدال انتصارًا للذات (للأنا) كانت النية سيئة وإن كان الانتصار لله وإحقاق الحق كانت النية صالحة.
فقد يجادل الداعية بقصد الدعوة إلى الإسلام، وفي خضم الجدال والخصام الحواري يتحول القصد إلى سعي لإثبات التفوق الشخصي والمصداقية الأنانية. وبعبارة أخرى يتحول الجدال من السعي لإثبات صحة الإسلام وأحقيته في الاتباع إلى السعي لإثبات أن المجادل على حق وخصمه على باطل. وهنا يكون الجدال حول أمر شخصي وليس جدالًا موضوعيًا هادفًا.
وهذا النوع من الجدال لا يصل بالمتجادلين إلا إلى العداء والتخاصم والتنازع لأنه ليس لله ولا لإحقاق حق، وإبطال باطل. وهو النوع الذي نهى الله تبارك وتعالى عنه في قوله تعالى: ( فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) (البقرة: 197) .
ويستطيع المرء أن يميز بين الجدال الحسن الذي لله ونصرة الحق، وبين الجدال السيء الذي للنفس ونصرة (الأنا) أو (النحن) .
فالأول من أهم علاماته هو أن المجادل لا يرفض الحق إذا جاء من خصمه ويسلم له ويذعن إليه لأن الوصول إلى الحق هو الهدف فمتى وصلنا إليه سلمنا به.
ومن علاماته أيضًا عدم الخروج عن موضوعية الحوار.
ومن علاماته أيضًا أنه إذا ما وصل المتجادلون إلى مرحلة لا يسلم فيها أحد للآخر ينفصلوا عن وئام واحترام وعلى أمل مواصلة الحوار فلعل كل منهم كان عاجزًا في إثبات ما هو عليه.
وأما الجدال الباطل؛ فن من أبرز علاماته هو رفض رأي الخصم شكلًا وموضعًا وابتداءً حتى ولو كان بداخله يؤمن أنه حق لا شك فيه. لن الهدف في هذا الجدال ليس الوصول إلى الحق بل هو اكتساب انتصارات ذاتية. «أنا أسكتّ فلانًا» «أنا أفحمت علانًا» «أنا أهنت بكرًا» ... وهكذا.
فـ (الأنا) هي البداية وهي النهاية، وهي الموضوع وهي المحمول، والحق والإسلام لا ناقة له في الجدال ولا جمل.
ومن علاماته الخروج عن الموضوعية العلمية في الحوار إلى أمور شخصية وكشف عورات وتقاذف إهانات، ومن علاماته أيضًا الوصول في النهاية إلى حد العداء والرمي بالقبيح والقذف بالمنكرات، والتوهين بالشتم والسباب.
ولكي نصل إلى مثالية في الجدال ونحقق معنى الجدال الحسن الذي أمرنا الله تبارك وتعالى باتباعه كأسلوب في الدعوة إلى الإسلام، يجدر بنا أن نعرف معنى الجدال ومقوماته.
معنى الجدال:
الجدال في اللغة هو وضع الشيء على الشيء إذا كان من جنسه، فتقول جدلت الحبل أي وضعت بعضه على بعض حتى صار مجدولًا.
ونقول: جدلت المرأة شعرها أي وضعت بعضه على بعض فصار ضفيرة، ومنه أخذ جدول الماء إذ تعلو أمواجه بعضها على بعض.
وقد عرّفه الراغب الأصفهاني في المفردات مادة (جدل) : «الجدال هو المفاوضة على سبيل المنازعة من جدلت الحبل أي أحكمت فتله» . وهذا التعريف لا يبعد كثيرًا عن معنى الجدال، إلا أنه يمكن لي أن أقرب المعنى بقولي «الجدال هو مراجعة القول بإعلاء بعضه على بعض على سبيل الغلبة» وبعبارة أخرى «وهو تبادل الحجج والبراهين في أسلوب حوار على سبيل تفنيد أحدهم قول وحجج الآخر وتثبيت قوله» .