فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 1363

وعن أبي هريرة كذلك قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجُون:"رأيتُ عمرو بن لحي بن قمعَة بن خِنْدِف يجر قُصَبه في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك به، ولا به منك"، فقال أكثم: أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؛ قال:"لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غيَّر دين إسماعيل، وبحر البحيرة، وسيَّب السائبة، وحمى الحامي"، وفي رواية:"رأيته رجلًا قصيرًا أشعر له وفرة يجر قُصَبه في النار"، وفي رواية لمالك:"إنه يؤذي أهل النار بريحه".

قال القرطبي رحمه الله: (روى ابن إسحاق أن سبب نصب الأوثان وتغيير دين إبراهيم عليه السلام عمرو بن لحي، خرج من مكة إلى الشام، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نستمطر بها المطر فنمطر، ونستنصر فننصر؛ فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنمًا أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنمًا يقال له هُبَل، فقدم به مكة فنصبه، وأخذ الناس بعبادته وتعظيمه) .

اعلم أخي الكريم أن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب إلا التقوى، واتباع هذا النبي الكريم، فإذا كان الله عز وجل صنع بعمرو بن لحي هذا ما حكى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتغييره لملة إبراهيم ولشرعة إسماعيل عليهما السلام، وهو امرؤ جاهلي من أهل الفترة، فما عساه فاعلًا بمن ينتسبون إلى الإسلام، ويسيرون بسيرة عباد الأوثان، المغيرين لشرعة ولد عدنان؟!

لا تظنن أخي المسلم أن ماجاء به عمرو بن لحي مغاير ومخالف لما يمارسه كثير من المنتسبين إلى الإسلام اليوم، بل ما تفعله طائفة كبيرة من المسلمين اليوم يفوق ما جاء به عمرو بن لحي وما كان عليه الجاهليون الأوائل، فقد بين الله لنا أنهم كانوا عند الشدائد يدعون الله ويذرون هذه الأصنام، لعلمهم أنه هو الخالق القادر المتصرف في هذا الوجود:"فإذا ركبوا في الفلك دَعَوُا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون".

خرج البيهقي في سنه بسند حسن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للحصين الخزاعي قبل إسلامه:"يا أبا عمران، كم إلهًا تعبد؟ قال: أعبد سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء؛ قال: فإذا هلك المال من تدعو؟! قال: أدعو الذي في السماء؛ قال: فإذا انقطع القطر من تدعو؟ قال: أدعو الذي في السماء؛ قال: فإذا جاع العيال من تدعو؟ قال: أدعو الذي في السماء؛ قال: فيستجيب لك وحده أم يستجيبون لك كلهم؟ قال: بل يستجبيب وحده؛ فقال: يستجيب لك وحده، وينعم عليك وحده، وتشركهم في الشكر، أم أنك تخاف أن يغلبوه عليك؟ قال حصين: لا، ما يقدرون عليه؛ فقال: يا حصين، أسلم أعلمك كلمات ينفعك الله بهن"الحديث، ثم أسلم.

لكن قومي في الرخاء وضده يدعون غير الله بالإحسان، كما صور ذلك أبو السمح أحد أئمة الحرمين الشريفين السابقين، حيث قال مقارنًا بين حال المشركين الأوائل وحال بعض المنتسبين إلى الإسلام، الذين يستغيثون بالأموات في الشدة والرخاء:

ولقد أتى في الذكر أن دعاءهم في الكرب كان لربنا الرحمن

وإذا دنا فرج و شاموا برقه عادوا إلى الكفران و الطغيان

لكن قومي في الرخاء و ضده يدعون غير الله بالإحسان

يدعون أمواتًا غدوا تحت الثرى ما إن لهم في ذي الورى من شأن

و الله كاشف كل كرب قادر وسواء ذو عجز فقير فان

بل منهم من يستغيث بالأموات وهو في الصلاة إذا شعر بألم، قال أحدهم وهو في صلاة:"يا أب شام"، ومنهم من يعتقد أن بعض المشايخ له"كوتة"في الخلق، نحو الذي يقول:"تخلق خلائقك يا أب كساوي"، ومنهم من يحلف ويقول:"وحيات الشيخ تاي الله الخلقني شحمة ولحمة"، ومنهم من يزعم أنه يعرف المولود الذي منحه الشيخ يوسف"أبو شرا"بأنه مختوم في عنقه يوسف، وأن الشيخ دفع الله كان يجر الشمس مع الملائكة ولا يزال، وهو ميت، ويمدح بذلك:

(الشمس مع الملاك جرها ما غلبو والتمساح حجر في شان جلوك قلبه)

وجاء في قصيدة"جل جلاله"للشيخ المكاشفي:

بهاري بهر بنور الكون

من الله بمحروس بالصون

أوتي الحرف الكاف و النون

أي إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.

ويقول الشعراني في طبقاته الكبرى وقد نقل عنه ذلك"ود ضيف"في الطبقات:"هذه أقل المراتب"، بل هناك من الأولياء من هم أعلى مرتبة من مرتبة الألوهية.

ألا توافقني أخي الكريم أن ما جاء به بعض قومنا لا يدانيه ولا يقاربه ما جاء به عمرو بن لحي، وأن التغيير الذي أحدثه هؤلاء في شرع محمد صلى الله عليه وسلم لا يساويه التغيير الذي أحدثه عمرو بن لحي في شرعة إسماعيل؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت