كلٌ منا يتمنى أن يكون عالمًا عاملًا، وخطيبًا مفوهًا، وقدوة حسنة، وإمامًا في كل خير؛ وحُق للعبد تلك الأماني السامية عندما يطرق سمعه قول الله - تعالى-: (( ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين ) ) [سورة فصلت أية 33] ، وتزداد تلك الرغبة عندما يتذكر قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء) ، وقوله: (لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم) [رواه مسلم] ، وتبلغ تلك الأمينة أقصاها عندما يبلغه قول المصطفى الهادي بإذن ربه إلى صراط مستقيم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا) [رواه مسلم] قال ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسيره: (( ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله ) ):"أي دعا عباد الله إليه، (( وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين ) ): أي هو في نفسه مهتد بما يقوله فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومتعد، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه، بل يأتمر بالخير ويترك الشر، ويدعو الخلق إلى الخالق - تبارك وتعالى - وهذه عامة في كل من دعا إلى خير وهو في نفسه مهتد، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى الناس بذلك" [تفسير القرآن العظيم 4/126] .
والعبد إذ يتمنى ذلك ليس هدفه أن يُشار إليه بالبنان، ولا ليستجديَ العطف والإحسان، بل هي الرغبة الصادقة في الآخرة، وابتغاء وجه الله - عز وجل - مستصحبًا معه قول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - متوعدًًا المرائيين، ومحذرًًا الذين يريدون بعلمهم الدنيا: (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة - وذكر منهم - رجلًا تعلم العلم ليقال عالم وقارئ فيؤمر به فيسحب على وجهه إلى النار ) [أخرجه الترمذي] ، (من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة - يعني ريحها - يوم القيامة) [رواه أحمد] .
لقد مدح الله - تعالى- العلم والعلماءـ وأثنى عليهم ثناءً ينفض عن الكسالى غبار الكسل، ويطمع الزاهدين فيه لتحصيله، ويحث العلماء على طلب المزيد منه (( وقل رب زدني علمًا ) )، والنصوص في ذلك كثيرة حسبنا منها قول الله - عز وجل: (( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ ) )قال السعدي - رحمه الله - عند هذه الآية:"فكل مَنْ كان بالله أعلم كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء مَنْ يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته كما قال - تعالى-: (( رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ) )"فالعلماء هم أهل خشية الله - تعالى-، وكفى بالخشية خصلة فقد أخبر الله - عز وجل - عن الملائكة بأنهم: (( يخشون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) )، وقال في وصف الأنبياء والمرسلين والمتقين: (( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا ) ) [سورة الأنبياء: 90] ، وقال: (( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) ) [سورة المؤمنون: 57] ، وبالجملة فالخشية هي التي تدفع العبد لفعل الطاعات، وتزجره عن المعاصي والسيئات، وتورثه - بإذن الله - أعلى الجنات، فمن رغب - بعد سماع النصوص المرغبة في العلم - عنه فليبكِ على نفسه، وينوح عليها، وليرفع يديه إلى مولاه قائلًا: (اللهم إني أسألك علمًا نافعًا) [رواه ابن السني] كما كان يدعو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
إن شغلك طلب الرزق، وألهتك معايشك عن تحصيل العلم؛ رغم نيتك الصادقة في أن تلحق بركب العلماء فتذكر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسليًا نفسك؛ وهو يخبر عن رجل عالم وآخر يتمنى أن يكون له مثل علمه فقال - صلى الله عليه وسلم: (ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها فيقول: يا ليت لي مثل علمه لعملت مثله، قال: فهم في الأجر سواء) ، فانظر كيف كانوا في الأجر سواء لأن الأمر كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) ، وهذا فضل الكريم الواسع ذو الفضل العظيم الذي لو أعطى عباده كلهم سؤلهم ما نقص ذلك من ملكه شيئًا، إنما هي نية صادقة من قلب سليم مخلص، وهذه النية لا تغنيك عن طلب العلم، بل سعيك في طلب العلم هو تصديق لتلك النية، عسى الله أن يفتح علينا من علمه، ويفيض علينا من بركاته.