9.ومن الشواهد على جواز هذه العمليات الجهادية ما فعله ذلكم الفارس في حرب القسطنطينية عندما انغمس في صف العدو وحده ليخرقه، فقال البعض: ألقى بنفسه إلى التهلكة؛ فبيَّن لهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن التهلكة هي في الركون إلى الدنيا وترك الغزو والجهاد في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله.
أقوال بعض أهل العلم في جواز انغماس المسلم في صف العدو وإن غلب على ظنه القتل
أورد الإمام المجاهد ابن النحاس في كتابه السابق الذكر بعد أن ذكر العديد من الأقوال والأفعال مما يدل على جواز ذلك أقوالًا لبعض أهل العلم المجيزين لها، فقال: (اعلم أن العلماء رضي الله عنهم اختلفوا في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو الكثير وحده، وانغماسه فيهم، وقد تقدم من الأدلة أقوالًا وأفعالًا على استحباب ذلك وفضله ما فيه كفاية.
إلى أن قال:
• ... قال أبو حامد الغزالي رحمه الله في الإحياء في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يقتل، وكما أنه يجوز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز - أيضًا - ذلك في الأمر والنهي عن المنكر، ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار، كالأعمى يطرح نفسه على الصف أوالعاجز، فذلك حرام، وداخل في عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يُقتل حتى يقتل، أوعلم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة، وحبهم للشهادة في سبيل الله، فتكسر بذلك شوكتهم".
كل هذه الأغراض تحققها العمليات الجهادية الاستشهادية، فهي تقتل من العدو ما شاء الله أن تقتل، وتزرع الرعب والخوف والفزع في قلوبهم، وتكسر شوكتهم، وتذل غطرستهم وغرورهم.
وقال الرافعي والنووي وغيرهما: التغرير بالنفس في الجهاد جائز، ونقل - أي النووي - في شرح مسلم الاتفاق عليه، ذكره في غزوة ذي قِرْد.
وقال النووي معلقًا على ما فعله عمير بن الحَمَام حين أخرج التمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل.
قال النووي: (فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة، وهو جائز لا كراهة فيه عند جماهير العلماء) .
وما العمليات الجهادية الاستشهادية إلا تغرير بالنفس وتعرض للشهادة، إذا صلحت النية.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: قد بورز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة المشركين يوم بدر، بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم إياه بما في ذلك من الخير إن قتل.
قال البيهقي: هو عوف بن عفراء، ذكره ابن إسحاق، ثم ذكر في الباب قصة عمير بن الحمام، وأنس بن النضر، وغير ذلك).
قلت: إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أذن لعوف بن عفراء أن ينغمس في صف العدو ويحمل عليهم وهو حاسر لا سلاح معه، فكيف بمن هو لابس لحزامه وشاك لسلاحه؟!
قال القرطبي في تفسيره: (واختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب، وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد - بن أبي بكر الصديق - وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم، إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن له قوة فذلك من التهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بَيِّنٌ في قوله تعالى:"ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله".
وقال ابن خويزمنداد - المالكي: (فأما أن يحمل الرجل على مائة، أوعلى جملة العسكر، أوجماعة اللصوص، والمحاربين والخوارج، فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه يقتل، ولكنه سينكي نكاية أويؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز، ولماتحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الحَجَفة وألقوني؛ ففعلوا، فقالتهم وحده وفتح الباب) .
قلت: لا أشك قط أن الأبطال الأوائل أمثال البراء وغيره لو تيسرت لهم الأحزمة المتفجرة هذه للبسوها، إذ لا فرق في النتيجة بين أن يُحْمَل على أسنة الرماح ويُلقى به في وسط العدو وهو مقتول لا شك في ذلك، وبين أن يلبس حزامًا يتفجر به في وسط الأعداء.
أما وصف هذه العمليات بأنها عمليات انتحارية غرض القائم بها قتل نفسه فهذا من باب الظلم البين، وذلك لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فهذا من باب التسوية بين المتضادين، وهو قياس مع الفارق الكبير.