فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 1363

يقول سلمة:"ثم اتبعت القوم معي سيفي ونبلي - وهو وحده - فجعلت أرميهم وأعقر بهم، فلا يقبل عليَّ فارس إلا عقرت به، فجعلت أرميهم وأنا أقول: أنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع - أي يوم هلاك اللئام - قال: فألحق برجل منهم فأرميه وهو على رحله، فيقع سهمي في الرجل حتى انتظم كتفه - نفذ كتفه - فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع؛ فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنبل، وإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة، فما زال ذلك شأني وشأنهم، أتبعهم وأرتجز".

فرد كل ما أخذوه، والعديد من أسلحتهم ودوابهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مادحًا له:"خير فوارسنا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة"، قال:"فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل جميعًا".

قال الشهيد البطل ابن النحاس رحمه الله المتوفى 814هـ، في كتابه القيم:"مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق ومثير الغرام إلى دار السلام"في الجهاد وفضله، معلقًا على صنيع سلمة هذا: (وفي هذا الحديث الصحيح الثابت أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده، وإن غلب على ظنه أنه يقتل - وهذا هو شاهدنا - وإذا كان مخلصًا في طلب الشهادة كما فعل الأخرم الأسدي رضي الله عنه، ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه، ولم ينه الصحابة عن مثل فعله) .

5.ومما يدل على مشروعية العمليات الجهادية الاستشهادية وإن اختلفت كيفيتها بلبس حزام متفجر لأنه أصبح هو الوسيلة الوحيدة لإرهاب العدو اليهودي الصليبي الجبان اللئيم، الذين رضعوا اللئامة والحقد كابرًا عن كابر.

إن لم يكن إلا الأسنة مركبًا فما حيلة المضطر إلا ركوبُها

فالضرورات تبيح المحظورات، ما فعله البطل المجاهد بُسْر بن أرطأة في الروم عندما كمن لهم عدة مرات، فلم يفد ذلك، إذ رمى بنفسه في كنيسة كان فيها عدد من مقاتلة الروم، كما فعل البراء بن مالك، فصرع منهم ثلاثة قبل أن يدركه أصحابه، فتعجب من فعله بعض الأسرى، فناشدوا المسلمين: من هذا؟ فقالوا: بُسْر بن أرطأة؛ فقالوا: والله ما ولدت النساء مثله.

وروي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى عمرو بن العاص: أن افرض لمن شهد الحديبية مائتي دينار، وأتمها لنفسك، وأتمها لخارجة بن حذافة لضيافته، ولبشر بن أرطأة لشجاعته.

6.ومما يدل على مشروعية هذه العمليات الجهادية وإن تعددت وسائلها ما خرجه ابن عساكر بإسناده عن محمد بن عائذ قال: قال الوليد بن مسلم: أخبرني شيخ من أهل حمص أنه أدرك بها شيخًا روميًا من فرسان الروم الذين كانوا بحمص أعور، قال: فقيل له: سله عن سبب عوره؟ فقال: إن المسلمين لما ساروا إلى حمص نزلوا بحيرة قدس على نهر الأرُند - العاصي - فبعثني بِطْريقُ حمص في ثلاثين من فرسانه، وأمرنا أن نستبطن نهر الأرُند حتى ندنو من عسكر المسلمين فنأتيه بأسير أوخبر، قال: فخرجنا فاستبطنا بطن الوادي، فلما دنونا من العسكر إذا رجل من جيزة النهر - أي ناحية النهر الأخرى - منقعًا فرسه في النهر، ورمحه إلى جانبه، فلما رآنا وضع سرجه على فرسه وركب، وتناول رمحه، فظننا أنه قد ذعر منا، وأراد أن يبدرنا إلى العسكر.

قال: فرمى بها - أي الفرس - في جرية الماء، فجعلنا نتعجب من جرأته على النهر وعلينا، فخرجت به فرسه من النهر، وانتفضت به، فلما انتهى إلى الجرف الذي يلينا أرادها على الوثوب به فلم يتهيأ لها، فقام على سرجه ووضع الرمح فاتكأ عليه ووثب، فإذا هو قد علا الجرف وصاح بها، فإذا هي معه، فوثب عليها، ثم أقبل إلينا فالتف بعضنا إلى بعض، فشد علينا، ففرق بيننا، وخلا برجل فدق ظهره، والتف بعضنا إلى بعض، وشد علينا ففرق بيننا وخلا برجل فدق ظهره، ففعل ذلك مرارًا.

فلما رأينا ذلك ولينا منهزمين إلى المدينة، فأتبعنا، فكلما لحق رجلًا قتله، حتى لم يبق منهم غيري، ودنا من باب حمص، وقد رأى من كان ببرج الباب ما كان يصنع، فأخرجوا فوارس إلينا، فلما رأيت الفوارس ظننت أنه قد هابهم وانصرف، فالتفت لأعرف ما صنع، فإذا سنان رمحه في عيني، والتفت به الفرسان فقتلته، فأقبل جماعة من المسلمين في طلبه فانتهوا إليه صريعًا، ودخلنا المدينة فأسمعهم يقولون: مسحل مسحل - أي الشجاع الذي يعمل وحده - فدفنوه في طائفة من دير، فبها سمي ما هناك: دير مسحل.

7.وفيما فعله سالم مولى أبي حذيفة عندما حفر لنفسه حفرة ودخل فيها إلى نصفه، فقاتل حتى قتل في قتال المرتدين، أقوى دليل على مشروعية تلك العمليات الاستشهادية، وإن اختلفت الوسيلة.

8.وكذلك ما فعله البطل الهمام علي بن أسد عندما غزا المسلمون الروم في البحر، فقرنوا مراكبهم بمراكب العدو، فقال علي: لا أطلب الجنة بعد اليوم أبدًا؛ فاقتحم بنفسه في سفائنهم، فما زال يضربهم وينحازوا، ويضربهم وينحازوا، حتى مالوا في شق واحد فانكفأت عليهم السفينة، فغرق وعليه درع حديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت