فهرس الكتاب

الصفحة 851 من 1363

الحمد لله الذي عصم هذه الأمة من أن تجتمع على ضلالة ، حيث لا تزال طائفة منها قائمة على الحق، مظهرة له، دافعة عن هذا الدين، تنفي عنه تحريف الغالين، وزيغ المبطلين، وكيد الكائدين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعة وهم على ذلك؛ وقد كانوا في القرون الأولى الفاضلة كثيرين، ثم لم يزالوا ينقصون حتى صاروا أقل من القليل.

وقد كانوا إذا عدّوا قليلًا فقد صاروا أقل من القليل

والعبرة ليست بالكثرة والوفرة، وإنما هي باتباع الحق، فالجماعة الحقة هي ما كانت على الحق ولو كان فقيهًا على ظهر جبل، ولو كنت وحدك، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه؛ فقد مدح الله القلة وأثنى عليها، فقال:"وقليل من عبادي الشكور"، وقال:"وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين"، وقال:"وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون"، وقال على لسان الطاغية فرعون عن موسى وقومه:"وإنهم لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون".

وصلّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد القائل:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".

لقد أحدثت في هذا الشهر العظيم بدع ومخالفات لم يعرفها سلف هذه الأمة، يجب التنبيه عليها والتحذير منها، يجهل حقيقتها كثير من المسلمين، بل يظنونها من السنن المستحبات، وذلك لتقصير أهل العلم في بيان مخالفتها لما جاء به صاحب الشريعة، إن رغبة، أو رهبة، أو جهلًا؛ وقد أوجب الله على حملة الشريعة عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولهذا أحببت أن أذكر نفسي وإخواني المسلمين في هذا البلد الحبيب والوطن العزيز بخطورة التمادي فيها والغفلة عن بيان مخالفتها للشريعة، راجيًا من الله أن تجد هذه الكلمات أذنًا صاغية، وقلوبًا واعية، ونفوسًا زاكية، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل .

وأهم ما أحدث في هذا الشهر ما يأتي:

• ... الاحتفال بأول السنة الهجرية، واتخاذ ذلك عيدًا وعطلة .

• ... الفرح، والسرور، والتوسعة على الأهل والعيال في يوم عاشوراء .

• ... اتخاذ يوم عاشوراء يوم مأتم، وحزن، وعويل .

وسنتحدث بشيءٍ من الإيجاز عن كل واحدة من ذلك .

الاحتفال بأول السنة الهجرية، واتخاذه عيدًا وعطلة

ورد في فضل المحرم عامة، وعاشره وتاسعه خاصة، عدد من الأحاديث والآثار، تحث على الإكثار من الصيام في شهر الله المحرم خاصة، ويومي تاسوعاء وعاشوراء، أي التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر؛ من ذلك:

• ... قوله صلى الله عليه وسلم:"أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل".

• ... وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن يوم عاشوراء، فقال:"ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم ـ يعني يوم عاشوراء ـ وهذا الشهر ـ يعني رمضان".

• ... وعن أبي قتادة أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام عاشوراء، فقال:"أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".

• ... وصح عنه أنه قال:"لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر".

هذا كل ما صح في هذا الشهر، أما الاحتفال في أوله بالهجرة، واتخاذ ذلك عيدًا وعطلة، فهذا لم يرد فيه حديث صحيح، ولم يُؤثر عمل ذلك عن أحد ممن يقتدى بهم، من الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ إذ لو صحَّ في ذلك حديث، أوأثر، أوفعل، لنقل إلينا، كما نقل إلينا الحث على إكثار الصيام فيه، سيما يومي عاشوراء وتاسوعاء، فإن الهمم متوفرة لنقل ذلك وحفظه والعمل به؛ وحيث لم يصلنا في ذلك خبر صحيح، ولا فعل موصول بالقرون الفاضلة، دل ذلك على عدم مشروعية الاحتفال في أول المحرم بالهجرة واتخاذ ذلك عيدًا وعطلة عامة، لأن ما لم يكن في ذلك اليوم دينًا فلن يكون اليوم دينًا .

روى معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تتخذوا شهرًا عيدًا ولا يومًا عيدًا"، يعني غير أعياد المسلمين الثلاثة المعلومة: الجمعة من كل أسبوع، وعيد الفطر وأيام التشريق، وعيد الأضحى .

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدًا إلا ما جاءت به الشريعة باتخاذه عيدًا وهو يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، وهي أعياد العام؛ ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع؛ وما عدا ذلك فاتخاذه عيدًا وموسمًا بدعة لا أصل له في الشريعة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت