وذكر يَعْلى بن عيسى أن رجلًا يقال له محمد بن علي القنائي الكاتب كان يعبد الحلاج، ويدعو الناس إلى طاعته، فطلبه وكبس منزله، فأقر أنه من أصحاب الحلاج، ووجد في منزله أشياء بخط الحلاج، مكتوبة بماء الذهب في ورق الحرير مجلدة بأفخر الجلود، ووجد عنده سفطًا فيه من رجيع الحلاج وعذرته وبوله، وأشياء من آثاره، وبقية خبز من زاده، فطلب الوزير من المقتدر أن يتكلم في أمر الحلاج، ففوض أمره إليه، فاستدعى بجماعة من أصحاب الحلاج فتهددهم، فاعترفوا له أنه قد صح عندهم أنه إله مع الله، وأنه يحيي الموتى، وأنهم كاشفوا الحلاج بذلك ورموه في وجهه.
إلى أن قال: فلما انتشر الكلام فيه سُلِّم إلى الوزير حامد فحبسه في قيود كثيرة في رجليه، وجمع له الفقهاء، فأجمعوا على كفره وزندقته، وأنه ساحر ممخرق.
كان قتله يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة للهجرة ببغداد.
لقد قال الحلاج قبل قتله: لا يهولنكم هذا، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يومًا.
قال الخطيب: ثم قتل فما عاد.
دعوى أنه قتل قتلًا سياسيًا وأنه كان يقود ثورة
من الدعاوى الكاذبة التي يرفعها زنادقة الباطنية ومن شاكلهم أن الحلاج قتل قتلًا سياسيًا لأنه كان ينوي القيام بثورة ضد الخليفة العباسي بشبهة حبه للزعامة والتسلط والظهور، ولو كان عل حساب آخرته؛ يكذب هذا الادعاء أسباب، منها:
1.العقائد والأعمال الكفرية التي كان يعتقدها هذا الرجل، والتي كانت سببًا للحكم عليه بالكفر.
2.ومنها أن أم المقتدر كانت تعتقد صلاحه لأنه رقاها من مرض فشفيت منه، وكان المقتدر لذلك خائفًا من قتله.
3.نوعية أتباعه الذين كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته، هذه النوعية لا يمكن الاعتماد عليها للقيام بعمل جاد.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله: (ولقد حكى الفرغاني مذيل تاريخ الطبري عن الحلاج أن أصحابه بالغوا في التبرك به، حتى كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته) .
ما من امرئ صالحًا كان أم طالحًا، مؤمنًا كان أم كافرًا، إلا وتجد الناس قد اختلفوا فيه وذهبوا فيه مذاهب شتى، وتباينت آراؤهم فيه، واختلفت وجهات نظرهم فيه، ولكن العبرة بقول أهل الحل والعقد.
ولله در الإمام الذهبي عندما قال معلقًا على ما حكاه السلمي: وحكي عنه - أي الحلاج - أنه رؤي واقفًا في الموقف، والناس في الدعاء، وهو يقول:"أنزهك عما قرفك به عبادك، وأبرأ إليك مما وحدك به الموحدون": (هذا عين الزندقة، فإنه تبرأ مما وحد الله به الموحدون، الذين هم الصحابة، والتابعون، وسائر الأمة، فهل وحدوه إلا بكلمة الإخلاص... فإذا برئ الصوفي منها فهو ملعون زنديق، وهو صوفي الزي والظاهر، متستر بالنسب إلى العارفين، وفي الباطن فهو من صوفية الفلاسفة أعداء الرسل، كما كان جماعة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم منتسبون إلى صحبته وإلى ملته، وهم في الباطن من مردة المنافقين، قد لا يعرفهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ولا يعلم بهم، قال تعالى:"وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ"، فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين الفارغين، وهم معه في المدينة سنوات، فبالأولى أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده عليه السلام على العلماء من أمته.
فما ينبغي لك يا فقيه أن تبادر إلى تكفير المسلم إلا ببرهان قطعي، كما ولا يسوغ لك أن تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زَغَله، وانتهك باطنه وزندقته، فلا هذا ولا هذا، بل العدل، أن ما رآه المسلمون صالحًا محسنًا فهو كذلك، لأنهم شهداء الله في أرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن ما رآه المسلمون فاجرًا، أومنافقًا، أومبطلًا، فهو كذلك.
إلى أن قال: ثم اعلم أن أهل القبلة كلَّهم، مؤمنهم وفاسقهم، وسنيهم وبدعيهم - سوى الصحابة - لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناجٍ، ولم يجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصِّديق فرد الأمة، قد علمت تفرقهم فيه، وكذلك عمر، وعثمان، وعلي، وابن الزبير، وكذلك الحجاج، والمأمون، وبشر المريسي، وكذلك أحمد بن حنبل، والشافعي، والبخاري، والنسائي، وهلم جرًا من الأعيان في الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمام كامل في الخير إلا وثم أناس من جهلة المسلمين ومبتدعتهم يذمونه ويحطون عليه، وما من رأس في البدعة، والتجهم، والرفض، إلا وله أناس ينتصرون له، ويذبون عنه، ويدينون بقوله بهوى وجهل، وإنما العبرة بقول جمهور الأمة الخالين من الهوى والجهل، المتصفين بالورع والعلم.