خَرَّجَ أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك؛ ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبَه وقعيدَه، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال:"لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ.."إلى قوله:"فَاسِقُونَ"؛ ثم قال:"كلا، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أوليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، وليلعننكم كما لعنهم"."
هذا الحديث من أقوى الأدلة على هجر أهل البدع والمعاصي بعد أن يبين لهم الحق، وتزال عنهم الشبهة، فمن استطاع أن يزيل المنكر بيده وجب عليه ذلك، فمن لم يستطع أنكر بلسانه، فإن لم يقو على ذلك تعين عليه الإنكار بالقلب ومفارقة أولئك القوم وهجرهم وعدم مخالطتهم، وإن خاف من المفارقة سها ولها عن أقوالهم وأفعالهم، واشتغل بذكر الله بلسانه أوبقلبه.
الله عز وجل ليس بينه وبين أحد من الناس نسب، وما أصاب بني إسرائيل لتركهم الأمر والنهي، وتهاونهم في هجر أهل البدع والمعاصي، يوشك أن يصيب هذه الأمة.
قال المفسر ابن عطية رحمه الله مبينًا حكم الأمر والنهي، وأن العدالة ليست شرطًا في ذلك، فالكل مطالب به عدلًا كان أم غير عدل:(والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه، ونهى بمعروف، وأمن الضرر عليه وعلى المسلمين، فإن تعذر على أحد النهي لشيء من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه، وأن لا يخالط ذا المنكر.
وقال حذاق أهل العلم: ليس من شروط الناهي أن يكون سليمًا من المعصية، بل ينهى العصاة بعضهم بعضًا، وقال بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضًا، واستدل قائل هذه المقالة بهذه الآية، لأن قوله"يتناهون"و"فعلوه"يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي).
وردت عدة آثار عن السلف المقتدى بهم تدل على أن العدالة ليست شرطًا في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله بعد أن ذكر عددًا من الآثار التي تحذر المتهاونين عن فعل البر:(ومع هذا كله فلابد للإنسان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعظ والتذكير، ولو لم يعظ إلا معصوم من الزلل لم يعظ الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد، لأنه لا عصمة لأحد بعده.
لئن لم يعظ العاصين من هو مذنب فمن يعظ العاصين بعد محمد؟!)
ثم أورد عددًا من الآثار في هذا المعنى:
روى ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد فيه ضعف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله، وانهوا عن المنكر وإن لم تتناهوا عنه كله".
قيل للحسن البصري: إن فلانًا لا يعظ ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل؛ فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول؟! ودَّ الشيطان أنه ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم يَنْه عن منكر.
وقال مالك عن ربيعة قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر؛ قال مالك: وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء؟!
من ذا الذي ما أساء قط ومن له الحسنى فقط؟
خطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله يومًا، فقال في موعظته: إني لأقول هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه.
وكتب عمر إلى بعض نوابه على بعض الأمصار كتابًا يعظه فيه، وقال في آخره: وإني لأعظك بهذا، وإني لكثير الإسراف على نفسي، غير محكم لكثير من أمري، ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم نفسه إذًا لتواكل الخير، وإذًا لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذًا لاستحلت المحارم، وقلَّ الواعظون والساعون بالنصيحة في الأرض.
الشيطان وأعوانه يودون أن لا يأمر أحد بمعروف و لا ينهى عن منكر، وإذا أمرهم أحد أونهاهم عابوه بما فيه، وبما ليس فيه، كما قيل:
وأعلِنَت الفواحش في البوادي وصار الناس أعوان المريب
إذا ما عبتُهم عابوا مقالي لما في القوم من تلك العيوب
وودوا لو كففنا فاستوينا فصار الناس كالشيء المشوب
وكنا نستطب إذا مرضنا فصار هلاكنا بيد الطبيب
وكان بعض العلماء المشهورين له مجلس للوعظ، فجلس يومًا فنظر إلى من حوله وهم خلق كثير، وما منهم إلا من رَقَّ قلبه، أودمعت عينُه، فقال لنفسه فيما بينه وبينها: كيف بك إن نجا هؤلاء وهلكتِ أنتِ؟! ثم قال لنفسه: اللهم إن قضيتَ عليَّ غدًا بالعذاب فلا تعلم هؤلاء بعذابي صيانة لكرمك، لا لأجلي، لئلا يقال: عذب من كان في الدنيا يدل عليه، إلهي قد قيل لنبيك صلى الله عليه وسلم: اقتل ابن أبَيٍّ المنافق، فقال:"لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"، فامتنع عن عقابه لما كان في الظاهر ينسب إليه، وأنا على كل حال فإليك أنسب.