• قال النووي في المجموع:(قال المصنف - الشيرازي الشافعي في مختصره المهذب-: إذا غم الهلال وعرف رجل الحساب، ومنازل القمر، وعرف بالحساب أنه من رمضان، فوجهان، قال ابن سريج: يلزمه الصوم لأنه عرف الشهر بدليل فأشبه من عرفه بالبينة، وقال غيره: لا يصوم لأنا لم نتعبد إلا بالرؤية، هذا كلام المصنف، ووافقه على هذه العبارة جماعة، وقال الدارمي: لا يصوم بقول منجم؛ وقال قوم: يلزم؛ قال: فإن صام بقوله فهل يجزئه عن فرضه؟ فيه وجهان، وقال صاحب البيان: إذا عرف بحساب المنازل أن غدًا من رمضان، أوأخبره عارف بذلك فصدقه فنوى وصام بقوله فوجهان، أحدهما يجزيه، قاله ابن سريج، واختاره القاضي أبو الطيب لأنه سبب حصل به غلب ظن، فأشبه ما لو أخبره ثقة عن مشاهدة؛ والثاني: لا يجزيه لأن النجوم والحساب لا مدخل لهما في العبادات، قال: وهل يلزمه الصوم بذلك؟ قال ابن الصباغ: أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا، وذكر صاحب المهذب أن الوجهين في الوجوب، هذا كلام صاحب البيان، وقطع صاحب العدة بأن الحاسب والمنجم لا يعمل غيرهما بقولهما، وقال المتولي: لا يعمل غير الحاسب بقوله، وهل يلزمه هو الصوم بمعرفة نفسه الحساب؟ فيه وجهان، أصحهما لا يلزمه، وقال الرافعي: لا يجب بما يقتضيه حساب المنجم عليه ولا على غيره الصوم، قال الروياني: وكذا من عرف منازل القمر لا يلزمه الصوم به على أصح الوجهين، وأما الجواز فقال البغوي: لا يجوز تقليد المنجم في حسابه، لا في الصوم ولا في الفطر، وهل يجوز له أن يعمل بحساب نفسه فيه وجهان؛ وجعل الروياني الوجهين فيما إذا عرف منازل القمر وعلم بوجود الهلال، وذكر أن الجواز اختيار ابن سريج، والقفال، والقاضي أبي الطيب؛ قال: فلو عرفه بالنجوم لم يجز الصوم قطعًا؛ قال الرافعي: ورأيت في بعض المسودات تعدية الخلاف في جواز العمل به إلى غير المنجم، هذا آخر كلام الرافعي، فحصل في المسألة خمسة أوجه:
أصحها: لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك، ولكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما.
والثاني: يجوز لهما ويجزئهما.
والثالث: يجوز للحاسب ولا يجوز للمنجم.
والرابع: يجوز لهما ويجوز لغيرهما تقليدهما.
والخامس: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم، والله أعلم).
• وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه": (فرض علينا عند غمَّة الهلال إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا، وإكمال عدة رمضان ثلاثين يومًا، حتى ندخل في العبادة بيقين، ونخرج عنها بيقين، وقال في كتابه:"وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم"، وروى الأئمة الأثبات عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة"، وفي رواية:"فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين"، وقد ذهب مُطرِّف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين، وابن قتيبة من اللغويين، فقالا: يُعَوَّل على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل واعتبار حسابها في صوم رمضان، حتى أنه لو كان صحوًا لرؤي، لقوله عليه السلام:"فإن عُمي عليكم فاقدروا له"، أي استدلوا عليه بمنازله، وقدروا إتمام الشهر بحسابه؛ وقال الجمهور: معنى"فاقدروا له"فأكملوا المقدار، يفسره حديث أبي هريرة:"فأكملوا العدة"؛ وذكر الداودي أنه قيل في معنى قوله:"فاقدروا له"، أي قدروا المنازل، وهذا لا نعلم أحدًا قال به إلا بعض أصحاب الشافعي، أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين، والإجماع حجة عليهم، وقد روى ابن نافع عن مالك: الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته، وإنما يصوم ويفطر على الحساب: أنه لا يقتدى به ولا يتبع؛ قال ابن العربي: وقد زل بعض أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال: يُعَوَّل على الحساب، وهي عثرة لا لعًا لها) .
قلت: حاشا الإمام الشافعي النبيه أن يصدر منه هذا الكلام وهو القائل:"إذا وجدتم الحديث في قارعة الطريق فهو مذهبي، وهو يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، فيدع قول نبيه لقول أهل الحساب المغرورين والمنجمين المخدوعين."
• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة"رسالة الهلال": (وكان مقتضى تقدم هذه"المقدمة"أني رأيت الناس في شهر صومهم وفي غيره أيضًا منهم من يصغي إلى ما يقوله بعض جهال أهل الحساب، من أن الهلال يرى، أولا يرى، ويبني على ذلك، إما في باطنه، وإما في باطنه وظاهره، حتى بلغني أن من القضاة من يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب أنه يُرى أولا يُرى؛ فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه؛ وربما أجاز شهادة غير المرضي لقوله، فيكون هذا الحاكم من السماعين للكذب، فإن الآية تتناول حكام السوء.