وقصة عمار بن ياسر التي استدل بها الكاتب - وهي تلفظه بكلمة الكفر عند الضرورة - يقابلها العديد من الأمثلة على الثبات على المبادئ ولو أدى ذلك إلى القتل، كما فعل ياسر وسمية والدا عمار، وكما فعل بلال، حيث كان يُبطح في رمضاء مكة وتوضع الصخرة على ظهره كي يكفر بمحمد، وكان يقول لهم في استعلاء وعزة: أحد أحد، فرد صمد، والله لو أعلم كلمة أغيظ لكم منها لقلتها لكم؛ وكذلك عبد الله بن حذافة السهمي عندما أسره النصارى، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، ولهذا عندما ذكر ابن كثير قصة عمار هذه ذكر قصة بلال وعبد الله بن حذافة، وقال: هذا هو الأصل.
هذا بالنسبة لشرعنا وبالنسبة لشرع من سبقنا، يدل على ذلك ثبات سحرة فرعون، والغلام، والراهب، ووزير ملك أصحاب الأخدود، الذي نتج عنه إسلام سائر الرعية.
لو سلك الناس المسلك المتخاذل، والتنازلات التي ليس لها نهاية إلا اتباع ملة الكفر، كما قال ربنا:"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، الذي يدعو إليه الكاتب وغيره كثير، لما وصل الإسلام إلينا، ولما قامت للدين قائمة، ولما رُفعت له راية.
نقول للكاتب: أين أنت مما فعله السلفيون القدامى؟!
على سبيل المثال لا الحصر نحو:
• ما فعله أبو بكر في حروب الردة، حيث قال حين لم يوافقه أحد على حرب المرتدين، رادًا على عمر وقد قال له:"تألف الناس وارفق بهم"، قال:"رجوتُ نصرتك، وجئتني بخذلانك!! أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟! إنه قد انقطع الوحي، وتم الدين، أوينقص وأنا حي!!"، قال عمر:"فما هو إلا أن رأيتُ أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال حتى عرفتُ أنه الحق".
• ما قاله جعفر بن أبي طالب ومهاجرة الحبشة رضي الله عنهم للنجاشي عندما أراد وفد قريش أن يفتن بينه وبينهم، فقال عمرو بن العاص وكان مشركًا في ذلك الوقت: سلهم عن عيسى؟ فعندما سألهم، اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم، وعزموا أن يصدقوه، وقرأ عليه جعفر سورة مريم، وبينوا له أنه عبد الله ورسوله، فأقرهم على ما قالوا، وأمَّنهم في بلده، وطرد وفد المشركين، ولم يقبل هداياهم.
• وما عزم عليه عاصم بن ثابت رضي الله عنه، حيث أقسم أن لا يمس مشركًا ولا يمسه مشرك، مجرد اللمس، دعك عن مصافحته واستقباله وتكريمه، فبرَّ الله قسمه حيًا وميتًا، فعندما جاء المشركون ليأخذوا رأسه بعد موته لتشرب عليه إحدى المشركات الخمر، حال دون هؤلاء المرتزقة الأراذل الدبر - ذكور النحل - فقالوا: نأتي ليلًا؛ وعندما جاءوا بالليل وجدوا السيل قد أخذه، وحمى الله عبده من التمثيل، وأبرَّ قسمه.
فهل يقول قائل: إن هؤلاء دعاة فتنة؟!
ثالثًا: من المآخذ التي رفعها الكاتب تبعًا لغيره ضد السلفيين رفضهم لمبدأ التدرج، ولمبدأ الاكتفاء بتطبيق القرآن المكي، والمناداة بتطبيق صحيفة المدينة ونحو ذلك، ومعلوم أن هذا كله كان في أول الإسلام، وقبل تمام الدين وكماله، ولهذا قال أبوبكر:"إنه قد انقطع الوحي وتم"، وقال مالك:"ما لم يكن في ذلك اليوم دينًا فلن يكون اليوم دينًا"، وليت شعري إلى متى يستمر المسلمون في التدرج وقد شارفت الدنيا على نهايتها، وظهرت كل علامات الساعة الصغرى واستحكمت:"فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها"، لماذا يرضى كثير من المسلمين بالدنية؟ ولماذا يريد البعض من الإسلام أن يكون مثل النصرانية؟ لماذا يريدون أن يحصروه في ركن قصي، في دائرة العبادات؟ ألا ينطبق على هؤلاء وأولئك الإيمان ببعض الكتاب والكفر بجله؟
رابعًا: نعيه عليهم تحذيرهم لإخوانهم المسلمين من التشبه بالكفار وموالاتهم لهم، عملًا بقوله تعالى:"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"ومن تشبه بقوم فهو منهم"، ولقد ألمح الكاتب إلى ذلك إلماحًا.
فلا يحل للمسلم:
1.أن يهنئ الكفار بأعيادهم.
2.أويدخل كنائسهم.
3.أويشاركهم احتفالاتهم ومهرجاناتهم.
4.أويهدي إليهم، أويقبل منهم هدية في تلك الأعياد.
5.أويرضى ذلك بقلبه.
قال عمر رضي الله عنه:"إياكم ورطانة العجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم"، وقال كذلك:"اجتنبوا أعداء الله في أعيادهم"، ومثله روي عن علي رضي الله عنه وعن أحمد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر"."
فماذا يضير السلفيون لو تمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم وإجماع سلفهم؟
خامسًا: ما المراد من قوله تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"؟