فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 1363

حتى تعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ في تلك الحادثة:"أفتان أنت يا معاذ؟ من أمَّ الناس فليخفف"الحديث، كلمة حق يراد بها باطل عندما يرفعها كثير من الناس في أوجه من يطمئنون في صلاتهم ويحاولون موافقة السنة فيها، وإلا فما فعله معاذ رضي الله عنه - وهو من أصحاب العزائم وأعلم الأمة بالحلال والحرام - اجتهاد منه لا يستطيع أحد أن يفعله الآن، لا من السلفيين ولا غيرهم، فمعاذ صلى العشاء مع الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ذهب وأمَّ قومه في العشاء، وكان هذا في أول الإسلام، ثم قرأ في الركعة الأولى بسورة البقرة بعد الفاتحة، وفي الثانية قيل بسورة يوسف وقيل بـ"اقتربت الساعة وانشق القمر"بعد الفاتحة، وكان ركوعه وسجوده قريبًا من ذلك، وعندما خرج ذلك الأعرابي وحده من صلاته ناله معاذ ووصفه بالنفاق، مما دفعه إلى أن يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

17.لقد بلغ في الإسفاف مداه وفي السباب أقذعه حيث قال:"ومما يؤسف له أيضًا أن أولئك"القضاة"قد عاد بعضهم إلى السودان كما يدَّعون مطرودين من دول الخليج لأنهم هاجموا الحكام وعارضوا الاستعانة بالأمريكان".

رابعًا: أليس الرد على الكفريات والمخالفات التي تنشر في الصحف وغيرها أولى من كيل السباب، والشتم، والانتقاص للسلفين؟!

أمور لا خلاف عليها

هناك أمور أخذها الكاتب على السلفيين، وهي من الأمور المجمع عليها عند أهل السنة والجماعة، بل السلفيون أحق بها وأهلها، ولا يجادل ولا يناكف فيها أحد منهم.

وما أطلقه الكاتب من أحكام جائرة وفتاوى مجحفة في حق السلفيين يعتبر ناقضًا لما قرره في أولى مقالاته تلك.

والأمور هي:

1.التحرز والاحتياط في الفتوى، والحذر والخوف منها، وليته التزم بما قرر.

2.مرتكبو الكبائر من أهل التوحيد مصيرهم إلى الجنة، قد يطهرون بالنار، وقد يتجاوز عنهم، ولم يخالف في ذلك إلا أهل الأهواء من الخوارج والمعتزلة، وهذا من أصول أهل السنة والجماعة، وقواعدهم التي تميزوا بها عن أهل الأهواء.

3.جواز الأخذ بالرخص الشرعية عند الضرورة، كالتلفظ بكلمة الكفر لمن خشي القتل، لا يماري في ذلك أحد من أهل السنة كذلك.

4.لا ينزلون أحدًا من أهل القبلة الموحدين جنة ولا نارًا إلا من شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك.

مآخذه على السلفيين

المآخذ التي أوردها الكاتب في مقالته هذه، التي تخللت السباب، والشتم، والانتقاص، ولم يأتِ عليها بدليل، ولم يعزها لأحد منهم، مآخذ عامة، ينحي بها باللائمة عليهم، مع أن الحق فيها مع أهل السنة والجماعة - السلفيين القدامى منهم والمحدثين - وهي:

أولًا: نعيه عليهم تقسيمهم البشر إلى مؤمنين وكافرين، وما ذهبوا إليه هو الصواب، وهذا هو التقسيم الحق، فالخلق في الدنيا والآخرة صنفان لا ثالث لهما: مؤمنون وكافرون، لكن المؤمنين يتفاوتون في إيمانهم وتقواهم، كما أن الكافرين يتفاوتون في كفرهم وضلالهم، وكذلك الخلق يوم القيامة شقي وسعيد، فالسعداء درجات والأشقياء دركات:"النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب"، وهذا من عدل الله عز وجل، إذ لم يسو مثلًا بين أبي لهب وأبي طالب وكلاهما مات على الشرك.

والكافرون في الدنيا صنفان، صنف مظهر لكفره، وآخر مبطن لكفره متظاهر بالإسلام، وهؤلاء هم المنافقون نفاق الاعتقاد، وهم أشد خطرًا على المؤمنين، وأعظم ضررًا عليهم من المظهرين لكفرهم، ولهذا كانوا في الدرك الأسفل من النار.

ولهذا نعى أهل السنة على المعتزلة عندما جاءوا ببدعة المنزلة بين المنزلتين، وكان هذا هو سبب اعتزالهم أهل السنة، أهل الحق والعدل.

ثانيًا: نعيه عليهم حرصهم وتمسكهم بالثوابت، وتحذيرهم من تتبع الرخص والزلات، وهذا ما عليه أهل السنة قاطبة، وهو الحق والصواب، حتى قال قائلهم:"من تتبع رخص العلماء وزلاتهم تزندق أوكاد وتجمع فيه الشر كله".

فالأصل في هذا الدين الثبات على المبادئ، والأخذ بالرخص الشرعية، وليست الزلات والهفوات والسقطات - نحو الزلة التي سقط فيها ابن حزم رحمه الله في إباحة الغناء والموسيقى - فهذه لا تدخل في دائرة الرخص التي يحب الله أن تؤتى عند الضرورة - أما الأخذ بالرخص فهو عارض وضرورة تقدر بقدرها، ولهذا اختلف أهل العلم في أيهما أفضل للمسافر في رمضان، الفطر أم الصيام، مع إجماعهم أنه رخصة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت