فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 1363

فكانوا إذا أمسوا اجتمعوا عند عمر، فيخبرونه بكل ما كانوا فيه، وكان كل رجل منهم على ناحية من المدينة، وكان الأعراب حلولًا فيما بين رأس الثنية، إلى رابح، إلى بني حارثة، إلى بني عبد الأشهل، إلى البقيع، إلى بني قريظة، ومنهم طائفة بناحية بني سلمة، هم محدقون بالمدينة.

فسمعتُ عمر يقول ليلة، وقد تعشى الناس عنده: أحصوا من تعشى عندنا؛ فأحصوهم من القابلة، فوجودهم سبعة آلاف رجل؛ وقال: أحصوا العيال الذين لا يأتون، والمرضى، والصبيان؛ فأحصوا فوجدوهم أربعين ألفًا.

ثم مكثنا ليالي فزاد الناس، فأمر بهم فأحصوا، فوجد من تعشى عنده عشرة آلاف، والآخرين خمسين ألفًا، فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت رأيت عمر قد وكل كل قوم من هؤء النفر بناحيتهم يخرجون إلى البادية، ويعطونهم قوتًا وحملانًا إلى باديتهم"."

• وفي خبر أبي هريرة السابق أنه رأى عمر عام الرمادة يحمل على ظهره جرابين، وعكة زيت، وأنه ليعتقب هو وأسلم، قال: فلما رأيته أخذت أعقبه، فحملنا حتى انتهينا إلى صرار، فإذا صرم نحو عشرين بيتًا من محارب، فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد.. فرأيت عمر طرح رداءه ثم اتزر، فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا، وأرسل إلى المدينة، وجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة، ثم كساهم، وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم.

سادسًا: مواساته للرعية في هذه المجاعة

هذا الموقف من أجل وأنبل المواقف التي وقفها عمر في هذا العام، إذ واسى رعيته مواساة كاملة، حيث لم يتميز عليهم بشيء قط، حتى أذهب الله عنهم ذلك الكرب، وإليك نماذج من مواساته لرعيته:

• خرج ابن جرير الطبري بإسناده عن عدد من الشيوخ قالوا:"أصابت الناس في إمارة عمر رضي الله عنه سنة بالمدينة وحولها.. فآلى عمر ألا يذوق سمنًا، ولا لبنًا، ولا لحمًا، حتى يحيى الناس من أول الحيا، فكان بذلك حتى أحيا الناس من أول الحيا، فقدمت السوق عُكة من سمن ووطب من لبن، فاشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، قد أبرَّ الله يمينك، وعظم أجرك، قدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن، فابتعتهما بأربعين؛ فقال عمر: أغليت بهما، فتصدق بهما، فإني أكره أن آكل إسرافًا؛ وقال: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم!".

• وخرج ابن سعد من خبر عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال:"كان عمر يصوم الدهر، قال: فكان زمان الرمادة إذا أمسى أتي بخبز قد سرد بالزيت، إلى أن نحروا يومًا من الأيام جزورًا فأطعمها الناس، وغرفوا له طيبها، فأتي به، فإذا فدر من سنام ومن كبد، فقال: أنى هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، من الجزور التي نحرنا اليوم؛ قال: بخ بخ، بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذه الجفنة، هات لنا غير هذا الطعام؛ قال: فأتي بخبز وزيت، فجعل يكسر بيده، ويثرد ذلك الخبز، ثم قال: ويحك يا يرفأ! احمل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت يثمغ، فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام، فأحسبهم مقفرين، فضعها بين أيديهم".

العظات والعبر من تلك المواقف

العظات والعبر التي يمكن أن تستخلص من تلك المواقف الخالدة، والتدبيرات والخطط الحازمة، التي وقفها عمر وخطها في هذه المحنة، فيها كثير من العبر، والمواعظ، والفوائد، التي ينبغي للمسلمين حكامًا، ومنظمات غوثية، وأفرادًا، أن يستفيدوا منها ويقتدوا بها فيما ينزل بهم من نوازل، وتعتريهم من خطوب.

وإليك طرفًا من ذلك:

أولًا: أن البلاء ليس قاصرًا على الأشرار، بل الأخيار أشد بلاء من الأشرار.

ثانيًا: الاعتماد والتوكل على الله عز وجل.

ثالثًا: الدعاء والتضرع هو سبيل المستضعفين وسبب لتفريج الكروب وكشف الخطوب.

رابعًا: الاعتماد على الموارد الذاتية بقدر الإمكان.

خامسًا: أن سؤال الناس لا يحل إلا عند الضرورة.

سادسًا: التخطيط السليم والتدبير الحكيم من أنجح الطرق للخروج من الأزمات.

سابعًا: يجب وجوبًا عينيًا على الرعاة مواساة الرعية فيما نزل بهم من بلاء، وهذا أكبر معين لهم لتحمل البلاء والصبر عليه.

ثامنًا: الإشراف التام، والمحاسبة الدقيقة من شأن الحاكم الحازم، العادل، العاقل.

تاسعًا: لا يجوز اللجوء إلى الجمعيات والمنظمات الكنسية، وعند المسلمين ما يغني عن ذلك، فهم يمدون العون بالشمال ويبثون سمومهم وتنصيرهم باليمين.

عاشرًا: خطورة الهجرة العشوائية، ولهذا عندما انفرجت الأزمة أمر عمرُ أهل البادية أن يرجعوا إلى باديتهم، وكلف من يشرف على رجوعهم، وقام بما يحتاجه الرجوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت