من المواقف الكريمة والتدبيرات الحازمة الحكيمة اعتماد عمر رضي الله عنه في أول الأمر على موارد بيت المال، وعلى ما جادت به نفوس أهل المدينة من المهاجرين والأنصار الأطهار، حيث لم يلجأ إلى طلب الغوث من الأقاليم والأمصار إلا بعد أن نفذ كل ما بحوزته وما بحوزة أهل المدينة، فالاعتماد بعد الله على النفس وعلى الموارد المحلية من حسن التدبير، وسبب من أسباب النجاح الكبير الذي حققه عمر في هذه المحنة.
• قال الحافظ ابن كثير رحمه الله وهو يؤرخ لعام الرمادة:"كان عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، وجاع الناس جوعًا شديدًا.. وجفلت الأحياء إلى المدينة، ولم يبق عند أحد منهم زاد، فلجأوا إلى أمير المؤمنين، فأنفق فيهم من حواصل بيت المال، مما فيه من الأطعمة والأموال حتى أنفذه".
رابعًا: طلب الغوث من الأمصار - الأقاليم
عندما نفذت موارد بيت المال، ونفذ ما عند أهل المدينة، لجأ عمر رضي الله عنه إلى طلب العون من عماله، ولم يلجأ لذلك إلا في حال الاضطرار، وهكذا ينبغي على المسلم أن يصبر على اللأواء ولا يسأل الناس، لا لنفسه ولا لغيره، إلا في حال العجز التام، فآخر العلاج الكي، ورحم الله أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يسألوا أحدًا شيئًا أبدًا، منهم أبو بكر وحكيم بن حزام.
على الرغم من هذا الضيق لم يلجأ عمر رضي الله عنه لطلب الغوث إلا بعد رؤيا منامية رآها بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه.
• روى سيف بن عمر عن سهل بن يوسف السلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال:"كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة، وأول سنة ثماني عشرة.. فكان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الأمصار، حتى أقبل بلال بن الحارث المزني، فاستأذن على عمر، فقال: أنا رسول رسول الله إليك، يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد عهدتك كيسًا، وما زلت على ذلك، فما شأنك؟ قال: متى رأيت هذا؟ قال: البارحة؛ فخرج فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين، ثم قال: أيها الناس، أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرًا غيره خير منه؟ فقالوا: اللهم لا؛ فقال: إن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية؛ قالوا: صدق بلال، فاستغث بالله ثم بالمسلمين؛ فبعث إليهم - وكان عمر عن ذلك محصورًا - فقال عمر: الله أكبر، بلغ البلاء مدته فانكشف، ما أذن لقوم في طلب إلا وقد رفع عنهم الأذى والبلاء."
وكتب إلى أمراء الأمصار أن أغيثوا أهل المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جهدهم، وأخرج الناس إلى الاستسقاء، وخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيًا، فخطب وأوجز، وصلى، ثم جثا لركبتيه، وقال: اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم اغفر لنا وارحمنا، وارض عنا؛ ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران، ثم كتب عمر بن الخطاب إلى عماله أبا عبيدة وأبا موسى الأشعري وغيرهما يطلب منهم الغوث"."
• قال سيف بن عمر:"كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها، فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بن الجراح في أربعة آلاف راحلة من طعام، فولاه قسمتها فيمن حول المدينة، فلما فرغ ورجع إليه أمر له بأربعة آلاف درهم، فقال: لا حاجة لي فيها يا أمير المؤمنين، إنما أردت اللهَ وما قِبَله، فلا تُدْخِل علي الدنيا؛ قال: خذها فلا بأس بذلك إن لم تطلبه؛ فأبى، فقال: خذها فإني قد وليتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا، فقال لي مثل ما قلتُ لك، فقلت له كما قلتَ لي، فأعطاني؛ فقبل أبو عبيدة وانصرف إلى عمله".
• وروى ابن كثير:"فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمة محمد؛ وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر: يا غوثاه لأمة محمد؛ فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمات، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة، ومن جدة إلى مكة".
• قال الحافظ ابن كثير: (هذا الأثر جيد الإسناد، لكن ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة مشكل، فإن مصر لم تكن فتحت في سنة ثماني عشرة، فإما أن يكون عام الرمادة بعد سنة ثماني عشرة، أويكون ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة وهم، والله أعلم) .
خامسًا: تدبير عمر وإشرافه وقيامه بنفسه على غوث الملهوفين
من المواقف الخالدة لعمر، والتدبيرات الناجحة له في عام الرمادة، جعل مشرفين وأمراء على كل ناحية من نواحي المدينة، يوافونه بحال القوم وحاجتهم، ويجتمعون عنده في كل مساء، ويشرفون على تقسيم المؤن والأطعمة، ويتفقدون أحوال كل جهة، حتى لا تتضارب الاختصاصات، ويطمع البعض في حقوق غيرهم.
• أخرج ابن سعد من خبر زيد بن أسلم عن أبيه قال:"لما كان عام الرمادة تجلبت العرب من كل ناحية، فقدموا المدينة، فكان عمر بن الخطاب قد أمر رجلًا يقومون عليهم، ويقسمون عليهم أطعمتهم وإدامهم، فكان يزيد بن أخت النمر، وكان المِسْوَر بن مخرمة، وكان عبد الرحمن بن عبد القاري، وكان عبد الله بن عتبة بن مسعود."