قال الذهبي: قال الأصمعي: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك وهو جالس على السرير، وحوله الأشراف، وذلك بمكة في وقت حجة في خلافته، فلما بصر به عبد الملك قام إليه فسلم عليه وأجلسه معه على السرير، وقعد بين يديه، وقال: يا أبا محمد، حاجتك؟ قال: يا أمير المؤمنين، اتقِ الله في حرم الله وحرم رسوله، فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور، فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين، فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتق الله فيمن على بابك، فلا تغفل عنهم، ولا تغلق دونهم بابك؛ فقال له: أفعل؛ ثم نهض وقام، فقبض على يده عبدُ الملك، وقال: يا أبا محمد، إنما سألتنا عن حوائج غيرك، وقد قضيناها، فما حاجتك؟ قال: ما لي إلى مخلوق حاجة؛ ثم خرج، فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف، هذا وأبيك السؤدد.
وقال الزهري: قال لي عبد الملك بن مروان: من أين قدمتَ؟ قلت: من مكة؛ قال: فمن خلفتَ يسودها؟ قلت: عطاء؛ قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي؛ قال: فبِمَ سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية؛ قال: إن أهل الديانة والرواية ينبغي أن يسودوا.
ثم سأله عمن يسود بقية الأمصار، فإذا جلهم من العجم، فتعجب عبد الملك من ذلك، فقال له الزهري: يا أمير المؤمنين، إنما هو الدين، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط.
قال إبراهيم الحربي: كان عطاء بن أبي رباح عبدًا أسود لامرأة من أهل مكة، وكان أنفه كأنه باقلاء، فجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه فجلسوا إليه، فلما صلى انفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج، وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه، قوما؛ فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.
وقال الحربي: وكان محمد بن عبد الرحمن الأوقص عنقه داخل في بدنه، وكان منكباه خارجين كأنهما زجان؛ فقالت له أمه: يا بني لا تكون في مجلس قوم إلا كنت المضحوك منه، المسخور به، فعليك بطلب العلم، فإنه يرفعك.
فولي قضاء مكة عشرين سنة.
قال: وكان الخصم إذا جلس إليه بين يديه يرعد حتى يقوم.
قال: ومرت به امرأة وهو يقول: اللهم أعتق رقبتي من النار؛ فقالت له: يا بان أخي، وأي رقبة لك!
وقال يحيى بن أكثم: قال الرشيد: ما أنبل المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين؛ قال: فتعرف أجل مني؟ قلت: لا؛ قال: لكني أعرفه، رجل في حلقة، يقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: يا أمير المؤمنين، أهذا خير منك، وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي عهد المؤمنين؟ قال: نعم، ويلك، هذا خير مني، لأن اسمه مقترن باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت أبدًا، ونحن نموت ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدهر.
وقال خيثمة بن سليمان: سمعت أبا الخناجر يقول: كنا في مجلس يزيد بن هارون والناس قد اجتمعوا إليه، فمر أمير المؤمنين، فوقف علينا في المجلس، وفي المجلس ألوف، فالتفت إلى أصحابه وقال: هذا والله الملك.
وقال سفيان الثوري: من أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم.
وقال المزني: سمعت الشافعي يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن تعلم اللغة رق طبعه، ومن تعلم الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.
وقال سفيان بن عيينة: أرفع الناس منزلة عند الله من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء.
وقال سهل التستري: من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء، يجيء الرجل فيقول: يا فلان، إيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: طلقت امرأته؛ ويجيء آخر فيقول: حلفت بكذا وكذا، فيقول: ليس يحنث بهذا القول؛ وليس هذا إلا لنبي أوعالم، فاعرفوا لهم ذلك.
قال أبو جعفر الطحاوي: كنت عند أبي عمران، فمر بنا رجل من بني الدنيا، فنظرت إليه، وشغلت به عما كنت فيه من المذاكرة، فقال لي: كأني بك قد فكرت فيما أعطي هذا الرجل من الدنيا؟ قلت له: نعم؛ قال: هل أدلك على خلة؟ هل لك أن يحول الله إليك ما عنده من مال، ويحول إليه ما عندك من علم، فتعيش أنت غنيًا جاهلًا، ويعيش هو عالمًا فقيرًا؟ قلت: ما أختار أن يحول الله ما عندي من علم إلى ما عنده، فالعلم غنى بلا مال، وعز بلا عشيرة، وسلطان بلا رجال.
وفي ذلك قيل:
العلم كنز وذخر لا نفاد له نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع المرء مالًا ثم يحرمه عما قليل فيلقى الذل والحربا
ويا جامع العلم مغبوط به أبدًا ولا يحاذر منه الفوت و السلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه لا تعدلن به درًا ولا ذهبًا