امرأةٌ اسمها عاصية سمَّاها النبي جميلة ، لماذا عاصية ؟ ما اسمكِ ؟ قالت: أنا عاصية . فقال لها:"بل أنتِ جميلة".
وامرأةٌ اسمها برَّة فقال عليه الصلاة والسلام:"أنتِ زينب". الأنسب أن يختار الإنسان اسمًا مناسبًا ، والذي أعرفه أن الإنسان له الحق أن يبدِّل اسمه ، فإذا لم يرق له اسمه الذي سماه به أبوه فله الحق أن يبدِّل اسمه حتى في قيود الدولة وسجلاتها ، هذا من حقوق الأبناء على الآباء .
الحقيقة الأسماء القبيحة أسبابها عادة قبيحة ، وعقليَّة قبيحة ، وتصوُّر قبيح إذ يزعم الجهلة أن هذه الأسماء القبيحة تقي صاحبها من الضرر ، والهلاك ، والموت، والآفة ، والمرض ، والحق أنه لا يقي الإنسان إلا الله عزَّ وجل ، لكن النبي قال:
"العين حق ، إن العين ـ أي عين الحسود ـ تضع الجمل في القدر ، والرجل في القبر"
المحسود الغافل عن الله عزَّ وجل تؤثِّر فيه عين الحسود ، أما المحسود المُقبِل على الله لا تؤثِّر فيه عين الحسود .
وللتعوُّذ موضوعٌ آخر إن شاء الله ، التعوُّذ بالله من الحسد وغيره يحتاج إلى موضوع تفصيلي نتحدَّث عنه في وقتٍ آخر .
نختار أيضًا من حقوق الأبناء على الآباء ما ورد في كتاب إحياء علوم الدين عن رياضة الصِبيان:
فاعلم أن الطريق في رياضة الصبيان ـ والمقصود هنا بالرياضة هي التربية ـ من أهم الأمور وأوكدها ، والصبي أمانةٌ عند والديه ، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسة ساذجة ، خاليةٌ من كل نقشٍ وصورة ، وهو قابل لكل ما نُقِش ، ومائلٍ إلى كل ما يمال به إليه ، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة ، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلمٍ له ومؤدِّب ، وإن عوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شقي وهلك ، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له، وقد قال الله عزَّ وجل:
(سورة التحريم: من آية 6 )
إذا كان الأب يصونه عن نار الدنيا ، فلأن يصونه عن نار الآخرة أولى ، وصيانته عن نار الآخرة بأن يؤدِّبه ويهذبه ـ الكلام للإمام أبو حامد الغزالي ـ ويعلّمه محاسن الأخلاق ، ويحفظه من قُرَناء السوء ، ولا يعوِّده التنعُّم ، ولا يحبِّب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيِّع عمره في طلبها إذا كبر ، فيهلك هلاك الأبد ، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره ، فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأةً صالحةً متدينةً تأكل الحلال ، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه ، إذا وقع عليه نشوء الصبي انعجنت طينته من الخبث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث . قال: فإذا رأى فيه مخايل التمييز ـ صار مدركًا ـ فينبغي أن يحسن مراقبته ..
"لاعب ولدك سبعًا ، وأدِّبه سبعًا ، وراقبه سبعًا ، ثم اترك حبله على غاربه"
وأول ذلك ظهور أوائل الحياء ، فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ، ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه ، حتى يرى بعض الأشياء قبيحًا ومخالفًا للبعض الآخر، وهذه عندئذٍ هديَّةٌ من الله تعالى إليك ، وبشارةٌ تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب .
وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام ، فينبغي أن يؤدَّب فيه فلا يأخذ الطعام إلا بيمينه ، وأن يقول عليه: بسم الله عند أخذه ، وأن يأكل مما يليه ، فقد ورد عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلامًا في حجر النبي عليه الصلاة والسلام ، وكانت يدي تطيش في الصحفة ـ أي يأكل من كل الأطراف ـ فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام:
"يا غلام سمِّ الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك"
(متفقٌ عليه)
وأن يعوِّده ألا يبادر إلى الطعام قبل غيره ، وألا يحدق النظر إليه ، ولا إلى من يأكل ، ولا أن يسرع في الأكل ، وأن يجيد المضغَ ، وألا يوالي بين الُّلقم ، ولا يلطِّخ يديه ولا ثوبه ، وأن يعوَّد الخبز القِفار في بعض الأوقات ـ من حين لآخر خبز فقط ، هذا توجيه الإمام الغزالي ـ وأن يعوَّد في بعض الأوقات الخبز القفار حتى لا يصير الإدام حتمًا . هذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام:
"اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم"
(من كشف الخفاء: عن أبو عبيد)
ويقبِّح عنده كثرة الأكل ، ويمدح عنده الصبي المتأدِّب القليل الأكل ، وأن يحبِّب إليه الإيثار بالطعام ، وقلَّة المبالاة فيه ، والقناعة بالطعام الخشن أي طعامٍ كان .
ابن المقفَّع له صديق قال عنه:"من أعظم الناس في عيني ، وكان رأس ما عظَّمه في عيني صغر الدنيا في عينيه ، فكان خارجًا عن سُلطان بطنه ، فلا يشتهي ما لا يجد ، ولا يكثر إذا وجد".
قال: وأن يحبِّب إليه الثياب البيض دون الملوَّن ، والإبريسيم ـ أي المعرَّق ـ فإن هذا من شأن النساء والمخنَّثين ، وإن الرجال يستنكفون منه ، ومهما رأى على صبيٍ ثوبًا من إبريسيم أو ملوَّن فينبغي أن يستنكره ويذمَّه.