فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 1363

أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد كان لاستيعابهم القوي لمعاني صفات الله عز وجل- والتي منها صفة الرحمة- أثره في أقوالهم وأفعالهم ، فها هو التابعي الجليل أبو سفيان الثوري يفضّل رحمة الله عز وجل على رحمة أبويه فقال:"ما أحب أن يجعل حسابي إلى أبويّ ، لأني أعلم أن الله تبارك وتعالى أرحم بي منهما".

وها هو الفضيل بن عياض ينظر في يوم عرفة إلى المؤمنين وهم واقفون يبكون ويتضرعون ،"فقال لرجل إلى جانبه: أرأيت أن هؤلاء كلهم واقفون على باب رجل من الأغنياء يطلبون دانقًا (الدانق: سدس الدرهم ) أكان يردّهم ؟ فقال: لا ، قال: فإن المغفرة عند الله تعالى أهون من دانق عند أحدكم".

نتائج الرجاء ودواؤه

إن نتائج الرجاء لا تختلف عن نتائج الخوف ، إذ أنهما يؤديان إلى العمل والسعي لمرضات الله بالعبادات والطاعات وفعل الخيرات ، قال تعالى في وصف أفعال الراجين: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله } البقرة ، 218. والله غفور رحيم

وقال أيضًا: { أمَّن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب } ، الزمر ، 9 .

ولهذا كما اتفقت نتائج الرجاء والخوف اتفق الدواء بينهما ، بمعنى آخر أن العلماء عالجوا هذين النوعين علاجًا مترابطًا فداووا الخوف بالرجاء وداووا الرجاء بالخوف ، قال لقمان لابنه:"يا بني خف الله تعالى خوفًا لا تيأس فيه من رحمته وارجه رجاءً لا تأمن فيه مكره ، ثم فسره مجملًا فقال: المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر".

ويكون الخوف كدواء وعلاج أفضل في حالة الشخص الذي يأمن مكر الله عز وجل ، فالله سبحانه وتعالى يقول: { أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } ، الأعراف ، 99 .

ويكون الرجاء كدواء أفضل عند من غلب على قلبه اليأس والقنوط من رحمة الله قال تعالى:"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم"، الزمر ، 53.

إلا أن أفضل لحظات الرجاء هي لحظة احتضار الموت ، حيث يواسى المحتضر بالآيات والأحاديث التي تدل على سعة رحمة الله عز جل ، ومن هذه الأحاديث قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النار: ( لا يدخل الجنة رجل في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان ) ، رواه أبو داود .

اللهم اجعلنا ممن يرجون رحمتك ويخافون عذابك ، اللهم آمين .

د. نهى قاطرجي

والرجاء والخوف من المقامات الشريفة وقد وصف الله به أنبياءه والمرسلين وأتباعهم بإحسان إليهم من صالحي المؤمنين قال الله تعالى: (( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ) ).. وقال تعلى (( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ) ). وقال تعالى: (( إن الذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم ) ).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يقول الله تعالى: (( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حين يذكرني .. ) )الحديث .

وقال عليه الصلاة والسلام: ( يقول الله تعالى: ياابن آدم ، غنك مادعوتني ورجتوني غفرت لك على ماكان منك ولا أبالي ، ابن آدم لو بغلت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ، ابن آدم ، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) ) .

وقال عليه الصلاة والسلام: (( قال الله تعالى: وعزتي لا أجمع لعبدي خوفين ولا أمنين ، فإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة وإن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة ) ).

وقال عليه الصلاة والسلام: (( راس الحكمة مخافة الله ) ).

ودخل صلى الله عليه وسلم على شاب يعوده وهو في الموت فقال له: (( كيف تجدك ؟ فقال أخاف ذنوبي وأرجوا رحمة ربي . فقال عليه الصلاة والسلام: ماجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه اله مايرجوا وأمنه مما يخاف ) ). واعلم أن الخوف زاجر ، يزجر الإنسان عن المعاصي والمخالفات والرجاء قائد يقود العبد إلى الطاعات والموافقات فمن لم يجره خوفه عن معصية الله عز وجل ، ولم يقده رجاؤه إلى طاعة الله تعالى ، كان خوفه ورجاؤه حديث نفس لا يعتد بهما ولا يعول عليهما لخلوهما ن ثمرتهما المقصودة وفائدتهما المطلوبة . )) ثم الأفضل للمؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء ، حتى يكونا كجناحي الطائر وكفتي الميزان قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ) ) .

عبد العزيز قاري

المدينة المنورة

قباء

الخطبة الأولى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت