فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 1363

أما بعد: فإن المؤمن الموحد المحسن حبه لله تعالى مقرون بالإجلال والتعظيم إنه حب المملوك لمالكه حب العبد لسيده حب المخلوق المقهور الضعيف لله الواحد القهار. ولذلك فإن المحبين الصادقين هم في هذا المقام في مقام المحبة هم في مقام موزون بين الرجاء والخوف.

فرجاؤهم معلق برحمة الله تعالى ولا يخافون إلا الله هم أشد الناس خوفًا من الله تعالى، وقد جمع الله تعالى أركان هذا المقام الإيماني الإحساني الرفيع في قوله سبحانه: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه [الإسراء:57] . وهم يتقربون إلى الله تعالى بحبه وبفعل ما يحبه ويرجون رحمته ومع ذلك يخافون عذابه.

فبين سبحانه في هذه الآية أن الملائكة والأنبياء وعباد الله الصالحين يتقربون إلى الله تعالى بحبه ويرجون رحمته ويخافون عذابه فهم في مقام حبهم لله في مقام موزون بين الرجاء والخوف. وذلك لكمال عبوديتهم لله تعالى وإجلالهم وتعظيمهم إياه.

لكن المحبة إذا خلت من الإجلال والتعظيم تحولت إلى نوع لا يليق بهذا المقام فيقع المحب إذًا في التدلل وفي سوء الأدب مع محبوبه.

قال أحد العباد الجاهلين الذين جهلوا هذا المقام قال هذه القولة الشنيعة: ما عبدتُ الله طمعًا في جنّته ولا خوفًا من عذابه إنما عبدته حبًا في ذاته.

هذا جهل بهذا المقام وسوء أدب مع المحبوب، وزاد في سوء الأدب مع الله فقال:- وليس لي في سواك حظ فكيف ما شئت تمتحني؟

يا لجرأة هذا العبد المسكين، يا لجرأته وجهله بهذا المقام جرأته وسوء أدبه مع مقام المحبوب، إنه جبار السماوات والأرض، الله الواحد القهار لا يتدلل أحد من عبيده، عليه الأدب في محبته معه. كيف يتدلل العبد المقهور المملوك على الواحد القهار، ومع هذا ذلك العبد المسكين يقول: يا رب، إن حبي كله لك ليس لغيرك منه نصيب، فامتحن حبي إن شئت امتحنه كما تريد فإني لا أخاف ذلك، وامتحنه ربه ابتلاه سبحانه وتعالى، ذُكِرَ أن هذا العبد المسكين امتُحن بأن حبس الله بوله فأصيب بعسر البول، فكان كلما اشتدت عليه هذه المصيبة يطوف على الصبيان الصغار في الكتاتيب يقول لهم: ادعوا لعمكم الكذاب.

وقد ذكر فيما مضى قصة نبي الله وعبده الصالح يونس عليه السلام، مع الفرق بين الرجلين والفرق بين الهفوتين، ذلك نبي كريم عالم بربه لكن هفوته قد تبدو لنا قليلة دقيقة عاقبه بها ربه وابتلاه ذلك البلاء.

لما أذن يونس عليه السلام متكلًا على محبة ربه ومقامه عند ربه. إذن لما ذهب مغاضبًا. انظر كيف ابتلاه الله تعالى وهو نبي كريم وعبد صالح وعابد صادق ابتلاه بأن حبسه في بطن الحوت.

لا يتدلل أحد من العبيد على الله الواحد القهار.

الصحابة الكرام وهم أكرم هذه الأمة بعد نبيها وهم من هم في مقام إيمانهم وعلمهم وعملهم مع ذلك رباهم الله تعالى قال تعالى: ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون [آل عمران:143] .

لذلك كان سيدنا رسول الله يعلم أصحابه الكرام ألا يغتروا بأنفسهم لا يغتروا بمقامهم لا يغتروا بقوة إيمانهم، لا يغتروا بحسن عملهم فيتمنوا لقاء العدو قال لأصحابه الكرام: (( لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية وإذا لقيتموهم فاثبتوا ) ) [1] .

فلا يغتر العبد بهذا المقام، العبد المحب لله تعالى إذا أصابه الغرور وذهب الخوف من قلبه حُرم من هذا المقام، هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أعظم المحبين لله تعالى، ومع ذلك كانوا في مقام حبهم في مقام موزون بين الرجاء والخوف يرجون رحمة الله ويخافون أشد الخوف من عذابه.

في الصحيح [2] أن النبي قال: (( أما إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) )وكان إذا قام يصلي لربه يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل [3] من شدة البكاء بين يدي ربه وخوفًا من ربه سبحانه وتعالى، هذا مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولكنه لعلمه بربه وبعظيم قدره وسلطانه وعظيم عقابه وشديد عذابه، كان أشد الناس خوفًا منه سبحانه وتعالى.

وكلما كان العبد أعلم بالله كان أخوف له. قال تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء

[فاطر: 28] .

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:وكفى بخشية الله علمًا.

المؤمنون الموحدون المحسنون العالمون بربهم عز وجل يخافون الله أشد الخوف لأنهم سمعوه يأمرهم بذلك قال تعالى في كتابه: وخافوني إن كنتم مؤمنين [آل عمران:175] .

وقال سبحانه: فلا تخشوا الناس واخشون [المائدة:44] .

ويخافون ربهم عز وجل لما يعلمون من أنه سبحانه وتعالى يقلب القلوب.

هؤلاء المؤمنون الموحدون المحسنون المستقيمون في أعمالهم على طريق المحبة والاستقامة ومع ذلك يخافون ربهم أشد الخوف، لما يعلمون من أنه يقلب القلوب فالقلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء.

قال سبحانه: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه [الأنفال:24] .

فمن ذا الذي لا يخاف على قلبه من تقلب الحال وعلى نفسه من انحياد المآل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت