فهرس الكتاب

الصفحة 454 من 1363

لذلك كان وهو أكرم الخلق على الله كان يُكثر في يمينه أن يقول: (( ولا مقلب القلوب ) ) [4] وكان يقول في دعائه: (( اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) ) [5] .

ويخافون ربهم عز وجل أشد الخوف لما يعلمون أيضًا من أن عملهم قليل، يخافون منه أشد الخوف فرقًا من أنه لا يقبل عملهم الصالح. فهم مشفقون من ذلك أشد الإشفاق وقلوبهم وجلة قال تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون [المؤمنون:60] .

فالمؤمن الحق الصادق الموحد المحسن يخاف ألا يُقبل عمله، لا يغتر بعمله إنه يعلم أنه لن ينجو بعمله إنما ينجو برحمة الله تعالى ومنه وكرمه وعفوه.

وإن كان سبحانه وتعالى قد جعل العمل سببًا للنجاة ولكن العمل ليس مقابلًا للنجاة فلو كان الأمر على سبيل المقابلة ما استحق عبد أن ينجو بعمله مهما كان مقامه.

قال: (( لن ينجي أحدًا منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) ) [6] .

فالمؤمن لا يغتر بعمله أيضًا لأنه يعلم أن النجاة معلقة برحمة الله تعالى ومنّه وكرمه.

المؤمنون الموحدون المحسنون يخافون ربهم أشد الخوف، ولا يزالون في خوف من الله تعالى مازالوا في هذه الدنيا، لا يذهب الخوف من قلوبهم حتى يستقروا في جنته هذا إذا أكرمهم الله عز وجل فأدخلهم في مستقر رحمته وأسكنهم جنته، حين ذلك فقط يذهب الخوف من قلوبهم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أما ما داموا في هذه الدنيا في هذه الحياة فهم في خوف دائم على أنفسهم لأنهم يعرفون قدر أنفسهم.

هذا حال المستقيمين منهم الذين أعرضوا عن المعاصي فما بالك بالمذنبين الذين يعلمون جناية أنفسهم وتفريطهم في جنب الله تعالى، ما أحراهم أن يكونوا أشد خوفًا لله سبحانه وتعالى، هذا إذا كانوا يعرفون ربهم فإنهم حينئذ يعلمون أن ربهم سبحانه وتعالى ما أغير منه، [7] إنه يغار أن تُنتهك محارمه.

وأخوف ما يخاف الموحدون المذنبون من أن يُحرموا من التوبة فذلك من أعظم العقوبات أن يجد العبد المذنب باب التوبة موصدًا أمامه فلا يوفق إلى التوبة أبدًا والعياذ بالله. هذا من أعظم العقوبات وهو من أخوف ما يخاف المؤمن الموحد المذنب على نفسه، فالمؤمن الموحد هو في خوف من الله تعالى شديد ورجاء في رحمته كبير ولذلك فإن لإيمانه بالله تعالى مقامًا موزونًا، ولمحبته لله تعالى مقامًا موزونًا بين هذين المقامين.

أما ذلك العابد الجاهل المسكين الذي لا يطمع في جنة ربه ولا يخاف من عذابه فقد أخطأ هذا المقام وحُرم من هذا المقام، أخطأ في دعواه المحبة فإن المحب الصادق الذي يعرف ربه فهو في خوف ولا يأمن على نفسه أبدًا حتى يستقر في جنة ربه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين [الأعراف:56] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

[1] أخرجه البخاري في صحيحه في الجهاد باب لا تمنّوا لقاء العدو (3/1101) رقم (3024،3026) .

[2] أخرجه البخاري في صحيحه في النكاح باب الترغيب في النكاح (5/1949) .

[3] أخرجه أحمد (4/25و26) والترمذي في الشمائل (323) وأبو داود (904) والنسائي (3/13) وغيرهم.

[4] أخرجه البخاري في صحيحه في القدر باب يحول بين المرء وقلبه (6/2440) .

[5] مسند أحمد (3/112، 257) سنن الترمذي (2140،3522) .

[6] أخرجه البخاري في صحيحه في الرقاق باب القصد والمداومة على العمل (5/2373) .

[7] أخرجه البخاري في صحيحه في التفسير (4/1696) .

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران:102] .

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب:70-71] .

وصلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] .

وقال: (( من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًاْ ) ) [1] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت