فهرس الكتاب

الصفحة 848 من 1363

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان"، زاد البخاري في روايته:"كان يصوم شعبان كله"، وفي مسلم:"كان يصوم شعبان إلا قليلًا".

وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصوم شعبان".

قال ابن رجب الحنبلي معلقًا على الأحاديث السابقة: (وقد رجح طائفة من العلماء منهم ابن المبارك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شعبان، وإنما كان يصوم أكثره، ويشهد له ما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت:"ما رأيته صام شهرًا كله إلا رمضان"، وفي رواية له أيضًا عنها قالت:"ما رأيته صام شهرًا كاملًا منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان") .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملًا غير رمضان"، وكان ابن عباس يكره أن يصوم شهرًا كاملًا غير رمضان.

ب. تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام

من كان معتادًا صيام الثلاثة البيض من كل شهر فصامه فلا حرج عليه في ذلك، وهو خارج من النهي الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"، أما من صامه لخصوصية دون ذلك، لأنه صباح ليلة النصف من شعبان، فهذا ليس من السنة، إذ لم يأت في تفضيل ذلك دليل، فإن الأعمال بالنيات.

قال ابن رجب الحنبلي: (وأما صيام يوم النصف منه ـ أي شعبان ـ فغير منهي عنه، فإنه من جملة أيام البيض الغر المندوب إلى صيامها في كل شهر) .

ج. إحياء ليلة النصف من شعبان بالذكر والدعاء جماعة في المسجد وغيره أوفرادى

لم يرد في إحياء ليلة النصف من شعبان دليل صحيح، وكذلك ليلتي العيدين، وإنما استحب نفر من أهل العلم إحياءها، وقلدهم في ذلك أقوام، وقد فرَّق جماعة من أهل العلم بين إحيائها في المساجد جماعة فكرهوه، وبين إحيائها فرادى.

الأحاديث التي وردت في فضل ليلة النصف من شعبان، وأقوال أهل المختصين فيها

وردت أحاديث في فضل ليلة النصف من شعبان، الأكثرون من أهل العلم حكموا بضعفها، وقد صحَّح بعضهم بعضها، وهي:

• عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا كان ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلٍ فأعافيه، ألا كذا، ألا كذا، حتى يطلع الفجر".

• وعن عائشة رضي الله عنها قالت: فقدت النبي صلى الله عليه وسلم فخرجت فإذا هو في المسجد بالبقيع رافع رأسه إلى السماء، فقال:"أكنتِ تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟"، فقلت: يا رسول الله، ظننت أنك أتيت بعض نسائك؛ فقال:"إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب".

• وعن أبي موسى يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أومشاحن".

• وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله ليطلع إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين مشاحن أوقاتل نفس".

قال ابن رجب:(وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر، وغيرهم يعظمونها، ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، منهم عطاء، وابن أبي مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء المدينة، وهو قول أصحاب مالك، وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة.

واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين، أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المسجد، كان خالد بن معدان، ولقمان بن عامر، وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم، ويتبخرون، ويكتحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه في ذلك، وقال: في قيامها في المسجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.

والثاني: أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة، والقصص، والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل السنة وفقيههم وعالمهم، وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إذا صلى الإنسان ليلة النصف وحده أوفي جماعة خاصة كما كان يفعل طوائف من المسلمين فهو حسن، أما الاجتماع في المساجد على صلاة مقدرة كالاجتماع على مائة ركعة، بقراءة ألف"قل هو الله أحد"دائمًا، فهذه بدعة، لم يستحبها أحد من الأئمة، والله أعلم) .

الذي يترجح لدي أن إحياء ليلة النصف من شعبان بأي كيفية من الكيفيات بدعة محدثة، إذ العبادات توقيفية لا تتلقى إلا من صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه، والله أعلم.

د. صلاة التسابيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت