فهرس الكتاب

الصفحة 973 من 1363

وكتب الذل والصغار على من خالف أمره من الجاهليين من الكتابيين والأميين الكفار، الأقدمين منهم والمحدثين، فالإسلام في كل زمان ومكان يعلو ولا يعلى عليه، لأن شريعته ناسخة للشرائع السابقة، وكتابه مهيمن على سائر الكتب الماضية، ورسوله خاتم لرسل رب العالمين، فلا يسع أحد من هذه الأمة من يهودي ولا نصراني ولا غيرهما سمع به إلا أن يؤمن به، وإلا كان من أصحاب النار، كيف لا؟ ولو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعه، وعندما ينزل عيسى عليه السلام لا ينزل بشريعته السابقة ولا بشرع جديد، وإنما يكون مقتديًا ومتبعًا لشرع محمد عليه وعلى عيسى أفضل الصلاة والسلام.

عداوة المنافقين للإسلام عداوة أبدية أزلية، وهم أشد ضررًا وأعظم خطرًا من الكفار، لإظهارهم الإسلام وإبطانهم الكفر، ولهذا امتازوا على إخوانهم الكفار:"إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار".

هذا العداء لا ينقطع أبدًا، ولكنه يزداد ويظهر جليًا عندما تنزل بالمسلمين نازلة أو تحل بهم كارثة، ولهذا نهانا الشارع الحكيم عن موالاة الكفار والمنافقين، وعن الانخداع بهم وبأقوالهم:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون. ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور. إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم مصيبة يفرحوا بها".

من وسائل المنافقين التي لا ينفكون عنها أبدًا ولا يجدون عنها حولًا إثارة الشبه، والتشكيك في الثوابت والمسلمات، والتلبيس على الناس، مستغلين بذلك وسائل الإعلام، سيما الصحف، حيث لا رقيب عليهم ولا محاسب لما يكتبون خاصة فيما يتعلق بأمر الإسلام، فقد عاد الإسلام غريبًا كما بدأ.

من تلكم الشبه التي أثيرت وتثار من حين إلى آخر أن السودان فتح صلحًا وليس عُنْوَة، وأن المسلمين تعايشوا فيه تعايشًا سلميًا مع الكفار، ويدغدغون عواطف الناس بتعليلهم لذلك بأن الشعب السوداني شعب متسامح! وهذا لعمر الله من باب المدح الذي هو عين الذم، لأن هذا التسامح لا يقوم إلا على أنقاض عقيدة الولاء والبراء، وإلا على حساب التنازل عن كثير من أمور الدين.

هذه الشبهة ما هي إلا وسيلة للتوصل إلى الهدف الأكبر والغرض الأسمى لديهم، الذي يسعون إليه جاهدين، مستغلين الهيمنة الأمريكية على الإسلام والمسلمين في هذا الوقت لتحقيقه والتمكين له، وهو أن تحل المواطنة أوالعلمانية أواللادينية محل الإسلام، حيث تقوم العلائق بين الخلق على أساس إبعاد الدين عن جميع مناحي الحياة، اللهم إلا في جانب الشعائر التعبدية، أما ما سوى ذلك فالكل"لقيصر"، وينتج عن ذلك أن تتساوى الأديان، ويزال الإسلام، وتعيش الأمة حياة متحضرة لا عقد فيها بزعمهم، كما يعيش إخوانهم في أمريكا وأوروبا:"والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم"، خاب فألهم وتبددت آمالهم.

فهل حقًا أن السودان فتح صلحًا؟ وما هي الفروق بين أن يُفتح البلد صلحًا أوعُنْوَة، خاصة فيما يتعلق ببناء الكنائس وصيانتها في حكم الشرع؟

هذا ما نود الإشارة إليه وتوضيحه في هذه العجالة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة.

فالسودان فتح عُنْوَة في سنة 31هـ، بقيادة البطل عبد الله بن أبي السرح رضي الله عنه، والدليل على ذلك تحويل كنيسة دنقلا"العجوز"مسجدًا، ولولا أن البلاد فتحت عُنْوَة لما حوِّلت الكنيسة إلى مسجد، ثم عقد المسلمون هدنة وصلحًا مع النصارى.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (ثم غزا عبد الله بن سعد بعد أفريقيا"الأساود"من أرض النوبة فهادنهم، فهي إلى اليوم، وذلك سنة إحدى وثلاثين) .

وذلك في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما أمَّره عثمان على مصر.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى عندما نقض النصارى العقد وأقاموا لهم دُوَلًا جاهدهم المسلمون الفاتحون، وفي عهد دولة الفونج الإسلامية، ودكوا تلك الدول، وقَضَوْا على النصرانية في السودان الشرقي قضاءً تامًا، وهُدِّمت كل الكنائس والمعابد الخاصة بهم.

ثم لما نبتت النصرانية مرة ثانية في العهد الخديوي الغاشم، هيَّأ الله المهدية، فجاهدتهم وخيَّرتهم بين الدخول في الإسلام أوالهجرة عن السودان، فاختار بعضهم الدخول في الإسلام، وهاجر بعضهم غير مأسوف عليهم، وهدِّمت جميع الكنائس، حيث لم تبق كنيسة واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت