فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 1363

لقد أمر الله بهجر الأوطان، وترك الأموال، ومفاصلة الأولاد والأهل والعشيرة إذا لم يتمكن المسلم من تحقيق عبوديته لربه فيها ومعهم، فقد أوجب الله ورسوله الهجرة من مكة عندما كانت دار حرب إلى المدينة، وقال مبكتًا على المستطيعين على الهجرة ولم يهاجروا، الذين فتنهم مشركو مكة:"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا. إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا. وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً".

ولذات السبب نهى وحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهجرة إلى ديار الكفر والعيش بين ظهرانيهم لغير ضرورة دينية.

وإن كان للأخوة حقها في كل شيء في النسب وغيره، فالأخوة الإيمانية حقها فوق كل حق.

"فالمسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه".

"وكل المسلم على المسلم حرام، دمه، وعرضه، وماله".

"والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".

"وحق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه".

والمسلم لا يُقتل بكافر، والمسلم لا يرث الكافر ولا يرثه الكافر، كما صح بذلك الخبر عن رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، فأنى يساوي الكافر المسلم؟!

لا يعني هذا إباحة أموال الكفار وأعراضهم بغير قيد ولا شرط، فكما أن للمسلمين حقوقًا وواجبات فكذلك للكفار ذميين ومعاهدين حقوقًا وواجبات، وقد نعم الكفار الذميون والمعاهدون في عهود الإسلام كلها بما لم ينعم به المسلمون عندما غزا الكفار ديار الإسلام، كما هو الحال في فلسطين، وأفغانستان، والعراق الآن: (فالشريعة المحمدية، والديانة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، وبها يدين الله كل عاقل، لما اشتملت عليه من عبادة الله الكريم المتفضل على خلقه، بما أسبغ عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، ولأنها ذات قوانين تسع الناس أجمعين، ولا تتعارض مع المدنية الفاضلة، ولا تمنع من الحضارة الحقة، ولا تجعل لأحد سيطرة على أحد إلا بمقتضى القانون الذي به تباح الدماء، وتنتقل العروض والممتلكات والمنافع من إنسان لآخر) .

فجعل المواطنة هي مناط المساواة في الحقوق والواجبات في الدستور يعتبر ناقضًا من نواقض الإسلام، قبل ما يتضمنه من الظلم والتعدي على الغالبية المسلمة المغلوبة على أمرها.

الوقفة الثانية: مع مصادر الدستور

تقول المادة [5- (1) ] : [تكون الشريعة وإجماع الشعب مصدرًا للتشريعات] .

و [5- (2) ] : [يكون الإجماع الشعبي وقيم وأعراف الشعب السوداني، بما فيها تقاليده ومعتقداته الدينية التي تأخذ في الاعتبار التنوع في السودان مصدرًا للتشريعات] .

الذي تولى كبر وجرم ووزر هذه النواقض وتلك الطوام هو واضع دستور 1998م، عليه من الله ما يستحقه، فقد ذلل الصعاب، ويسر المهمة لمفوضية الدستور، وقد كُتبت وقتها ردود كثيرة عليه دللت على علمانية الدستور ومخالفته لشرع الله المصفى.

فالدستور قد جمع بين السوأتين وحاز الضلالتين: دستور 98 العلماني واتفاقية"نيفاشا"الظالمة المجحفة، الغامطة لحق الأغلبية المسلمة، المحققة لطموحات الأقلية الكافرة، حيث قلبت الموازين، وأخلت بالمفاهيم، التي نفذت تحت مظلة الهيمنة الآحادية والسيطرة الاستعمارية.

مصدر التشريع في الإسلام واحد، وهو الوحي المنزل من عند الله قرآنًا وسنة، والقياس والإجماع مستمدان منه، والله سبحانه أغنى الشركاء، فمن أشرك معه أحدًا غيره في العبادة أوفي التشريع تركه وشركه.

فالأعراف، والعادات، والتقاليد ليست من مصادر التشريع في شيء، وإنما هي قواعد يُرجع إليها في تفسير بعض النصوص المطلقة، نحو قوله تعالى:"وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ"، وفي تقدير النفقة وحاجة الزوجة والأولاد، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لهند عندما قالت له: إن أبا سفيان رجل مسِّيك، لا يعطيني ما يكفيني وعيالي؛ في بيعة النساء عند قوله عز وجل:"وَلا يَسْرِقْنَ":"خذي ما يكفيك وعيالك بالمعروف"، أوكما قال.

ويرجع إليها كذلك في المباحات التي لم تأمر بها الشريعة ولم تنه عنها.

قال الإمام السيوطي رحمه الله: (اعلم أن اعتبار العادة والعرف رُجع إليه في الفقه في مسائل لا تعد كثرة) .

ثم مثَّل لذلك بسِنِّ الحيض، والبلوغ، وأقل الحيض والنفاس وأكثره، والنجاسات المعفو عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت