لهذا قال معاذ بن جبل رضي الله عنه - أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم - عندما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مرشدًا ومعلمًا، وقال له:"كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو؛ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري، ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله".
فإن أبى المسلمون إلا التيسير، لضعف الهمم أوالتقليد لغيرهم والتشبه بهم - بمن نهانا الشارع الحكيم من التشبه بهم وهم الكفار:"ومن تشبه بقوم فهو منهم"، وأرادوا أن يضعوا دستورًا وقانونًا على غرار دساتير الكفار وقوانينهم، فينبغي لهذا الدستور أن يكون مستمدًا من عقيدة وهوية الأمة، ومحققًا لطموحاتها، وملبيًا لرغباتها، وحاميًا لعقيدتها، وحارسًا لدينها وعرضها وشرفها.
وبعد..
فهذه وقفات سريعة مع أخطر مخالفات الدستور للإسلام، نكتبها نصحًا للأمة، وتبرئة للذمة، وتذكيرًا للأئمة، ومعذرة إلى ربنا، ولعلهم يتقون ويرعوون، وإجابة لكثير من الأسئلة والاستفسارات بلسان الحال والمقال، عملًا بقوله تعالى:"وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ"، وخوفًا وحذرًا من قوله صلى الله عليه وسلم:"من سُئل عن علم ثم كتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة"، إذ الساكت عن الحق شيطان أخرس.
واللهَ نسألُ أن تجد آذانًا صاغية لدى المسؤولين والمقررين لهذا الدستور، وأن تنبه الغافلين من المسلمين لما يحاك بهم، وبإسلامهم، وحريمهم، وأعراضهم، وأوطانهم من المخاطر العظيمة، والمخططات والمؤامرات اللئيمة، وأن يحفظ علينا ديننا، وأن يدفع عنا الشرور والآثام، ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أولًا: المواطنة!!
أولى هذه الوقفات، وأخطر تلك المخالفات، وأضر هذه الموجهات على الإطلاق على الإسلام، اعتبار المواطنة أساس الحقوق والواجبات المتساوية لكل السودانيين، مسلمهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم، كما ورد في المادة [7- (1) ] : [تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيينِ] .
ومعلوم من الدين ضرورة أن حقوق المسلمين وواجباتهم تختلف عن حقوق الكفار وواجباتهم، ولهذا قال تعالى:"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ""أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ".
فالذي يساوي بين البشر عربيهم وعجميهم، وأسودهم وأبيضهم، الكلمة السواء، وهي كلمة التوحيد، وليس الوطن، ولا الجنس، ولا اللغة، هذه من الأبجديات والمسلمات التي لا يجادل فيها إلا مكابر، ولا ينكرها إلا جاهل، ولا يلبس بها إلا منافق.
إذا كانت المواطنة ليست أساسًا للحقوق والواجبات لدى الكفار، أصحاب الدين المنسوخ المبدل، في أوروبا وأمريكا وغيرها، حيث توجد بعض الفروق الظاهرة والخفية بين طوائف المجتمع المختلفة، فكيف يسوَّى بين المسلم والكافر وقد قال تعالى:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقد ميَّز الله بين المسلمين أنفسهم:"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون".
بل حقوق وواجبات ومسؤوليات الذكر المسلم تختلف عن حقوق وواجبات الأنثى المسلمة، قال الله عز وجل على لسان أم مريم:"وليس الذكر كالأنثى".
فالمسلم جنسيته عقيدته، وصدق القائل:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
والقائل:
إن يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
أو يختلف نسب يؤلف بيننا دينٌ أقمناه مقام الوالد
هذه الدعوة الخبيثة التي بدأ التأصيل والتقعيد لها بل وتضمينها في الدستور ثمرة خبيثة من ثمار العلمانية، ومن ثمار تقليد الكفار والتشبه بهم.
قال تعالى:"وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا".