فهرس الكتاب

الصفحة 899 من 1363

من علامات أهل السنة التي خالفوا فيها أهل الأهواء من خوارج ومعتزلة عدم تكفير أحد من أهل القبلة الموحدين بكل ذنب، إذ هناك ذنوب يكفر صاحبها، كالسجود للصنم، ووضع المصحف على الأرض ودوسه بالرجل، والنيل من أحد الأنبياء، ونحو ذلك، ما لم يستبح تلك المعصية، فإن استباحها واستحلها فقد كفر، فالذي يشرب الخمر ويعلم أن الخمر حرام من الكبائر فهو مسلم، والذي لا يشرب الخمر مثلًا ويزعم أن الخمر حلال فقد كفر كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة.

الثانية والعشرون: إكفار من أكفره الله ورسوله

الإكفار ملك لله ولرسوله، فلا يكفر أحد ما لم يكفره الله ورسوله بإثبات ما نفياه، أوبنفي ما أثبتاه، مع توفر الشروط وانتفاء الموانع.

فأهل السنة يكفرون من أكفره الله ورسوله ولا يتحرَّجون في ذلك أبدًا، ولا يقولون بقول أهل البدع من المرجئة، القائلين: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

وأن الكفر يكون بالقول والعمل والاعتقاد، ويكون بالفعل والترك، وفي حالي الجد والهزل.

لهذا اشتد نكير السلف الصالح على المرجئة، ووصفوا بدعتهم بأنها شر البدع، وأنها أشر من بدعة الخوارج، وإليك طرفًا من ذلك:

• قال الزهري:"ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على الملة من هذه"، يعني المرجئة.

• وقال أبوحمزة الثمالي لإبراهيم النخعي: ما ترى في رأي المرجئة؟ فقال:"أوه، لفقوا قولًا، فأنا أخافهم على الأمة، والشر من أمرهم أكثر، فإياك وإياهم".

• وقال إبراهيم:"المرجئة أخوف عندي على الإسلام من عدتهم من الأزارقة".

• قال أيوب السختياني:"قال لي سعيد بن جبير: رأيتك مع طلق؟ قلت: بلى، فماله؟ قال: لا تجالسه فإنه مرجئ".

• وقال سفيان عن المرجئة:"رأي محدث أدركنا الناس على غيره".

• قال الأوزاعي: قد كان يحيى وقتادة يقولان:"ليس في الأهواء شيء أخوف على الأمة من الإرجاء".

• وقال منصور بن المعتمر في شيء:"لا أقول كما قالت المرجئة الضالة المبتدعة".

• وقال شريك - وذكر المرجئة:"هم أخبث قوم، وحسبك بالرافضة خبثًا، ولكن المرجئة يكذبون على الله".

• وقال الحميدي: سمعتُ وكيعًا يقول:"أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة يقولون: الإيمان قول، والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة".

فالإكفار منه ما هو بدعي كالإكفار باقتراف كل الكبائر، ومنه ما هو شرعي كالإكفار بنفي ما أثبته الله ورسوله أوإثبات ما نفياه.

من محدثات البدع في هذا العصر زعم البعض أن المرء لا يكفر مهما ارتكب من الأعمال والأقوال الكفرية ما لم يستحل ذلك بقلبه، فالحاكم الذي يسن دستورًا على غرار الدستور الفرنسي مثلًا وينبذ شرع الله وراءه ظهريًا، والذابح للموتى، والساجد للصنم، لا يكفر أحد منهم إلا إذا استحل ذلك بقلبه الذي لا يطلع عليه إلا الله عز وجل، فأحالوا الأمر على مستحيل، ومعلوم أن الإسلام يحكم على الناس بما ظهر منهم.

ولهذا قال الشافعي لحفص المنفرد عندما قال القرآن مخلوق: كفرتَ ورب الكعبة.

وقد أوتوا من شبهة أن الكفر العملي لا يخرج صاحبه من الإسلام، وإنما هذا هو الكفر الأصغر.

وهذا القول مخالف لما عليه أهل السنة قديمًا وحديثًا، فكما أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وفعل وترك، فكذلك الكفر يكون بالقول والعمل والاعتقاد، وبالفعل والترك، وبالجد والهزل:"قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم".

قال ابن الوزير الصنعاني اليماني المتوفى 840هـ في رده على فرقة البهاشمة من المعتزلة: (ومن العجب أن الخصوم من البهاشمة وغيرهم لم يساعدوا على تكفير النصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ومن قال بقولهم، مع نص القرآن على كفرهم، إلا بشرط أن يعتقد ذلك مع القول، وعارضوا هذه الآية الظاهرة بعموم مفهوم قوله:"ولكن من شرح بالكفر صدرًا".. وعلى هذا لا يكون شيء من الأفعال والاقوال كفرًا إلا مع الاعتقاد، حتى قتل الأنبياء، والاعتقاد من السرائر المحجوبة، فلا يتحقق كفر كافرٍ قط إلا بالنص الخاص في شخص شخص.. قال جماعة جلة من علماء الإسلام أنه لا يكفر المسلم بما يندر منه من ألفاظ الكفر إلا أن يعلم المتلفظ بها أنها كفر.. وهذا خلاف متجه، بخلاف قول البهاشمة: لا يكفر وإن علم أنه كفر حتى يعتقده) .

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في"كتاب الصلاة": (وشعب الإيمان قسمان: قولية وفعلية، وكذلك شعب الكفر نوعان: قولية وفعلية، ومن شعب الإيمان القولية شعبة يوجب زوالها زوال الإيمان، وكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوال الإيمان، وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية، فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكفر اختيارًا وهي شعبة من شعب الكفر، فكذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم والاستهزاء بالمصحف..

إلى أن قال: وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب، فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزومًا لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت