وأما الغالّ فما رواه الخمسة عن زيد بن خالد:"أن رجلًا من جهينة قُتِل يوم خيبر، فقال صلى الله عليه وسلم:"صلوا على صاحبكم، فإنه غلَّ في سبيل الله"."
قال الإمام أحمد: ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على أحد إلا الغالّ، وعلى قاتل نفسه.
قال ابن القيم: وكان هديه صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلي على من قتل نفسه ولا على الغالّ.
قال محرره: ومذهب الحنابلة هو أرجحها وأحقها دليلًا، فالعصاة على اختلافهم هم أحق بالصلاة وشفاعة المسلمين، ولكن خصَّ هذان بالدليل، وما عداهما فعلى أصل عموم الحكم في صلاة الجنازة، والله أعلم).
الراجح والله أعلم جواز الصلاة على كل مسلم مستور الحال، إلا المجاهرين ببدعهم وفسوقهم، فهؤلاء لا يصلى عليهم، سيما أهل العلم والفضل.
كان عمر رضي الله عنه لا يصلي على المنافقين نفاق الاعتقاد، وكان إذا مات من يشك فيه أرسل إلى حذيفة يسأله هل هو منافق أم لا؟ وكان حذيفة يخبره أولًا ثم أمسك عن ذلك، فكان عمر يرسل غلامه، فإن خرج حذيفة خرج عمر، وإن لم يخرج حذيفة لم يخرج عمر رضي الله عنهما.
لقد تساهل الناس في هذه الأزمنة في الصلاة على أئمة البدع والفجور، حتى أضحت جنائزهم تضاهي جنائز أئمة أهل السنة، حيث قال أحمد رحمه الله: بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز؛ أما اليوم فيوم الجنائز ليس فارقًا بين السني والمبتدع، فكم رأينا تدافع الخلق على جنائز المبتدعة، والفنانين، ولاعبي الكرة، بل حتى الكفار.
قال القاضي عياض رحمه الله في ترجمة الإمام ابن فرُّوخ المالكي رحمه الله، حاكيًا عن أبي خارجة:(فوالله لقد كنتُ معه حتى سئل عن المعتزلة، فقال للسائل: وما سؤالك عن المعتزلة؟ فعلى المعتزلة لعنة الله قبل يوم الدين، وفي يوم الدين، وبعد يوم الدين، وفي طول دهر الداهرين، فقال له: وما فيهم قوم صالحون؟ فقال: ويحك، وهل فيهم رجل صالح؟
قال سُحنون: مات رجل من أصحاب البهلول، فحضر هو، وابن غانم، وابن فروخ، فصلوا عليه، وجيء بجنازة صخر المعتزلي، فقالوا لابن غانم: الجنازة؛ فقال: كل حي ميت، قدموا دابتي؛ وقيل لابن فرُّوخ مثل ذلك، فقال مثله، وقيل للبهلول مثل ذلك، فقال مثله، وانصرفوا ولم يصلوا عليه).
ففساق أهل السنة أفضل وأحسن حالًا في البرزخ والآخرة من زهاد أهل البدع.
قال الإمام أحمد كما روى عنه ابنه عبد الله: (قبور أهل السنة من أهل الكبائر روضة، وقبور أهل البدع من الزهاد حفرة، فساق أهل السنة أولياء الله، وزهاد أهل البدعة أعداء الله) .
ولهذا كان الحسن البصري وأبوحنيفة رحمهما الله يلعنان عمرو بن عبيد المعتزلي مع شهادتهما له بالزهد، ولعن الشافعي حفص المنفرد المعتزلي وقد جاء لعيادته، وأمر مالك بطرد أحد تلاميذ عمرو بن عبيد من مجلسه.
فأئمة أهل البدع لا يُترحم عليهم، ولا يُستغفر لهم، ولا يُصلى عليهم، هذا ما عليه أهل السنة قديمًا وحديثًا، ولا تغتر بما يصنعه جل أهل زماننا، فهم مجانبون للحق، جاهلون بالسنة.
العشرون: الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة مع كل بر وفاجر
من علامات أهل السنة المميزة لهم اعتقادهم أن الجهاد بنوعيه:
1.جهاد الطلب.
2.وجهاد الدفع.
ماضٍ إلى يوم القيامة، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، ولا تخذيل وتثبيط وتخدير المخذلين، والمثبطين، والمخدرين، ولا قلة عدد وعتاد، لاعتقادهم أن النصر من عند الله عز وجل إذا نصروا دينه، وأن المسلمين في جميع غزواتهم وحروبهم للكفار لم يكونوا أكثر عددًا ولا عتادًا من الكفار، مع الأخذ بالأسباب من إعداد المستطاع من القوة، عملًا بقوله تعالى:"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم".
وأن جهاد الدفع كما هو الحال في البلاد التي احتلها وغزاها الكفار من اليهود، والنصارى، والشيوعيين، والهندوس، والبوذيون، نحو فلسطين، وأفغانستان، والعراق، والشيشان، وكشمير، وجنوب الفلبين، وتايلاند، وغيرها، لا يحتاج إلى إذن إمام ولا والدين، وإنما لهم أن يجاهدوا تحت إمرة من يأنسون فيه الكفاءة من المسلمين، فالمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، وعلى إخوانهم المسلمين أن يمدوهم بالمال، والعتاد، والدعاء، وإن احتاجوا إلى الرجال وجب على من يليهم من المسلمين المقتدرين أن يمدوهم بما يمكنهم من دحر عدوهم.
من أنجح الوسائل للمدافعين المستضعفين في تلك البلاد حرب العصابات والاستنزاف، التي شرعها لهم أسلافهم الأخيار أبوبصير، وأبوجندل، وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهم، ضد كفار قريش، على الرغم من أنهم كانوا في هدنة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، بما في ذلك العمليات الفدائية الجهادية التي مارسها عدد من الأبطال: غلام أصحاب الأخدود، والبراء بن مالك، وغيرهما كثير.
إن لم يكن إلا الأسنة مركبًا فما حيلة المضطر إلا ركوبها
الحادية والعشرون: عدم التكفير بكل معصية