وصلى مرة ابن مسعود رضي الله عنه خلف الوليد بن عقبة عندما كان أميرًا على العراق، وكان شاربًا للخمر، ولم يعلموا بذلك، فصلى بهم الصبح أربع ركعات، ثم التفت إليهم قائلًا: يكفي أم أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود:"يكفي، ما زلنا معك منذ الصبح في زيادة".
هذا على الرغم من أن ما رُفع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم:"صلوا خلف كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر"ضعيف كما قال أهل العلم المختصون بذلك، وإن صحَّ معناه.
فقد صحح الصلاة خلف الفسقة غير المجاهرين بفسقهم وفجورهم جمهور أهل العلم، ولم يأمروا بإعادتها بل بدَّعوا من أعادها.
وعدَّ أهل السنة إقامة جماعتين في المسجد الواحد بسبب الإحن والضغائن من أخطر البدع، وشنعوا وأبطلوا صلاة المخالفين.
ومن العجيب الغريب أن يكون المخالفون هم من أهل البدع المجاهرين ببدعتهم، والمعترَض عليهم من أهل السنة الذين لا ينبغي أن يتقدم عليهم أحد، ولكن كما قيل:"رمتني بدائها وانسلت".
أما نهيه صلى الله عليه وسلم أن يؤم الرجل القوم وهم له كارهون، أوبعضهم كاره له، فالمراد بذلك الكراهية بسبب البدع والفسوق، وليس من أجل الاقتداء بالسنة والتأسي بالسلف الصالح.
التاسعة عشر: الصلاة على كل مسلم مستور الحال
من علامات أهل السنة أنهم يرون الصلاة على كل من مات من المسلمين إلا على الكفار، والمشركين، والمنافقين نفاق الاعتقاد، وأصحاب البدع الكفرية المجاهرين ببدعهم الداعين لها، فهؤلاء لا يُصلى عليهم ولا كرامة.
أما أهل البدع والفسق والفجور غير المجاهرين، نحو من قُتِل في حد في من حدود الله، ومن قَتَل نفسه، والبغاة، فهؤلاء يعتزل الصلاة عليهم أهل الفضل والصلاح، ويصلي عليهم بعضُ المسلمين، فصلاة الجنازة من فروض الكفاية، فإذا قام بها البعض ولو واحد سقط عن الباقين الإثم.
ولا يجوز أن يدفن مسلم من غير أن يُصلى عليه.
قال ابن عبد البر رحمه الله:(وقال مالك في آخر هذا الباب: لم أر أحدًا من أهل العلم يكره أن يصلى على ولد الزنا وأمه، وهذا ما لا أعلم فيه خلافًا من العلماء.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على ولد زنا وأمه ماتت من نفاسها.
وقال أبو وائل: يصلى على كل من صلى إلى القبلة.
وسئل أبو أمامة عن الصلاة على جنازة شارب الخمر؟ قال: نعم، إذا شهد بشهادة الحق.
وذكر أبوبكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حفص بن غياث عن أشعث عن أبي الزبير عن جابر قال: سألته عن المرأة تموت في نفاسها من الفجور أن يصلى عليها؟ فقال: صلِّ على من قال: لا إله إلا الله.
قال: وحدثنا جرير عن مغبرة عن حماد عن إبراهيم قال: يصلى على الذي قتل نفسه، وعلى النفساء من الزنا، وعلى الذي يموت غريقًا من الخمر.
قال: وحدثنا أبو خالد الأحمر عن عثمان بن الأحمر عن عطاء قال: تصلي على من صلى إلى قبلتك.
وقال: وحدثنا عبد الله بن إدريس عن هشام عن ابن سيرين قال: ما أعلم أحدًا من الصحابة والتابعين ترك الصلاة على أحد من أهل القبلة آثمًا.
وقال ابن عبد الحكم عن مالك: لا تترك الصلاة على أحد مات ممن يصلي إلى القبلة.
وهو قول الشافعي وجماعة الفقهاء: يصلى على كل من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكره مالك من بين سائر العلماء أن يصلي أهل العلم والفضل على أهل البدع).
قال البسام ملخصًا مذاهب أهل العلم فيمن لا يصلى عليه: (وذهب الأحناف إلى أن أربعة لا يصلى عليهم، وهم:
1.البغاة الذين خرجوا عن طاعة الإمام بغير حق.
2.قطاع الطرق الذين يسلبون المارة أموالهم.
3.العصبة المتعاونة على ظلم العباد بقهرهم وغصبهم.
4.المكابرون بالمدن والقرى بالسلاح فهو من الحرابة وقطع الطرق.
فهؤلاء لا يغسلون ولا يصلى عليهم إهانة لهم، وزجرًا لغيرهم.
• وذهب المالكية إلى أن الإمام لا يصلي على من قتل في حد أوقصاص، ودليلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على ماعز، ولم ينه عن الصلاة عليه.
• وذهب الشافعية إلى الصلاة على كل مسلم مهما كان عصيانه وفسقه.
قال النووي في شرح المهذب: المرجوم في الزنا، والمقتول قصاصًا، والصائل، وولد الزنا، والغالّ من الغنيمة، ونحوهم، يُغسلون ويصلى عليهم بلا خلاف عندنا، ودليلهم ما ثبت في مسلم:"أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على المرجوم في الزنا"، وفي البخاري من رواية جابر أنه صلى الله عليه وسلم:"صلى على ماعز بعد أن رجمه".
قال البيهقي: تشرع الصلاة على كل بر وفاجر، وعلى كل من قال: لا إله إلا الله، وكل ما خالف ذلك فأحاديثه ضعيفة.
• وذهب الحنابلة إلى الصلاة على كل مسلم عاصٍٍ إلا الغال من الغنيمة، وقاتل نفسه، فلا يصلي عليه الإمام ونائبه، عقوبة له وزجرًا لغيره، ويصلي عليهما غير الإمام.
أما دليلهم: فقاتل نفسه، فيما جاء في مسلم من حديث جابر بن سمرة قال:"أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه فلم يصل عليه".