فهرس الكتاب

الصفحة 895 من 1363

وقال علي كذلك:"لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري".

بل لا ينبغي لأحد أن يفضل تابعيًا مهما كانت منزلته ومكانته ولو كان عمر بن عبد العزيز على أحد من الصحابة.

فقد أنكر التابعي الجليل يزيد بن الأسود على من فضل عمر بن عبد العزيز على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وقال:"لمداد في ثوب معاوية - لأنه كان من كتاب الوحي - خير من ملء الأرض من عمر بن عبد العزيز"، وفي رواية: لشعرة في أنف معاوية خير من ملء الأرض من عمر بن عبد العزيز"."

وقال هارون الحمَّال: سمعتُ أحمد بن حنبل وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله: إن هاهنا رجلًا يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية بن أبي سفيان، فقال أحمد:"لا تجالسه، ولا تؤاكله، ولا تشاربه، وإذا مرض فلا تعده").

فقد صدقا، فإن الله اختار أصحابه لنبيه اختيارًا، وشرفهم بالنظر إليه والجهاد معه، فلا يمكن لأحد أن يدانيهم أبدًا.

الخامسة عشرة: السكوت عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

من علامات السني التي تميزه عن البدعي عدم الخوض فيما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدوتهم في ذلك ابن عمر، وقد كان شاهدًا ومعاصرًا لتلك الأحداث، ومع ذلك كان إذا سئل عنها قال:"تلك فتنة طهر الله منها أيدينا وسيوفنا، ولا نريد أن نخوض فيها بألسنتنا".

والخليفة الراشد والإمام العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله، الذي كان يقول إذا سئل عنها:"تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت".

ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية حين قال: الأخبار التي وردت في الفتن جلها كذب، وبعضها زيد فيه ونقص، وما صح منها فالصحابة فيه مجتهدون مأجورون، إما أجرًا واحدًا وإما أجرين.

أخرج الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا".

يقول أبونُعَيْم:(فالإمساك عن ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر زلاتهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أحسن الوجوه، من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان، الذين مدحهم الله عز وجل بقوله:"والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان".

إلى أن قال:

لم يأمرهم بالإمساك عن ذكر محاسنهم وفضائلهم، إنما أمروا بالإمساك عن ذكر أفعالهم وما يفرط منهم في ثورة الغضب وعارض الموجدة) .

كان عدد الصحابة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه وظهور الخلاف عشرة آلاف، فما شارك في الفتنة سوى أربعين أوثلاثين.

قال محمد بن سيرين رحمه الله: (هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين) .

أي كل الذين كانوا مع علي، ومعاوية، وعائشة، وطلحة، والزبير رضي الله عنهم جميعًا لم يزد عددهم على الثلاثين، وما كان أحد منهم يريد القتال، ولكن مؤججي الفتنة في كل فريق كانوا هم السبب في حدوث القتال وإراقة الدماء.

وكان الجميع مجمعين على تقديم علي وعلى أفضليته، ولم يكن هدفهم منازعته، ولكنهم طالبوه بالقصاص من قتلة عثمان، وأن يسلمهم إليهم، وكان علي يرى أن يدخلوا أولًا في بيعته، ثم بعد ذلك يتعاون الجميع في الاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه.

فالكل مجتهد، والكل مأجور إن شاء الله، وإن كان الحق مع علي رضي الله عنه.

فعائشة رضي الله عنها لم تخرج طالبة زعامة، وإنما خرجت تريد الصلح بين الفريقين، وقد أشار عليها بذلك مروان بن الحكم.

يقول عمر بن شبة: (إن أحدًا لم ينقل عن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة، ولا ادعوا أحدًا ليولوه الخلافة، وإنما أنكروا على علي منعه من قتال قتلة عثمان، وترك الاقتصاص منهم) .

وكانت عائشة رضي الله عنها بعد إذا ذَكَرَت خروجها أوذُكِّرَت به تبكي حتى تبل خمارها.

وذكر الذهبي رحمه الله: (أن أبا مسلم الخولاني وأناسًا معه جاءوا إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع عليًا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا، وأنا ابن عمته، والطالب بدمه، فأتوه فقولوا له، فليدفع إليَّ قتلة عثمان، وأسلم له؛ فأتوا عليًا فكلموه، فلم يدفع إليه) .

وفي رواية عند ابن كثير في"البداية والنهاية": (فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية) .

قلت: ما كان في مقدور علي رضي الله عنه في ذلك الوقت أن يسلم إليهم قتلة عثمان أوأن يقتص منهم، لأن عثمان قتل في فتنة، ونفس الذين قتلوا عثمان بايعوا عليًا، وكانت لهم شوكة ومنعة، بدليل أن معاوية رضي الله عنه والذين جاءوا من بعده لم يتمكنوا من الاقتصاص من قتلة عثمان.

الخوض والبحث والتفتيش في الفتنة التي حدثت بين الصحابة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه لا فائدة منه، لأسباب هي:

أولًا: نحن غير مسؤولين عن ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت