قال ابن مسعود رضي الله عنه في مدح الصحابة وبيان فضلهم على من بعدهم، حاضًا على التأسي والاقتداء بهم، واتخاذهم القدوة المثلى والأسوة الحسنة: (من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها خلالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم) .
وقال الشافعي في رسالته البغدادية التي رواها عنه الحسن بن الزعفراني، وهذا لفظه: (قد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك بلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عامًا وخاصًا، وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم، واجتهاد، وورع، وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى، أوحكي لنا عنه ببلدنا، صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم إذا اجتمعوا، أوقول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله) .
وإن أفضل الصحابة هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ولهذا روي عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال: (من قدم عليًا على أبي بكر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وأخشى أن لا يقبل له عمل) .
الرابعة عشرة: لا ينتقص أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
الصحابة رضوان الله عليهم بشر غير معصومين، تجوز عليهم الكبائر والصغائر، مع ندرة حدوث ذلك منهم، وسابق مغفرته وتجاوزه عنهم:"ما ضرَّ عثمان بعد اليوم"،"اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راضٍ"،"من يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم".
حكم سب وانتقاص الصحابة منه ما هو كفر، نحو:
1.وصف جميعهم أومعظمهم بالكفر، والردة، والفسق، والتضليل.
2.تضليل وتكفير الخلفاء الراشدين.
3.اتهام عائشة بما برأها الله منه.
ومن صدر منه شيء من ذلك فقد كفر، وحكمه القتل.
أما من انتقصهم أوبعضهم بما دون ذلك نحو البخل وسوء التدبير فهو فاسق، وعقوبته أن يُعزر ويؤدب بما يناسبه، ويوقف غيره عند حده.
قال هشام بن عمار: سمعت مالكًا يقول:"من سب أبابكر وعمر قتل، ومن سب عائشة رضي الله عنها قتل، لأن الله تعالى يقول فيها:"يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين"، فمن رماها فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل".
وقال مرة:"من سب أبابكر جلد ومن سب عائشة قتل"، قيل له: لِمَ؟ قال:"من رماها فقد خالف القرآن".
مراده في هذه الرواية والله أعلم أن من سب أبابكر بغير الكفر والتضليل، أما من رماه بالكفر والتضليل وتحريف الكتاب العزيز فلا شك في كفره عند مالك ولا غيره.
بل ذهب مالك إلى تكفير وتضليل كل من أصبح وفي قلبه غل على أي فرد من آحاد الصحابة، فكيف بسادتهم وكبرائهم؟
جاء في تفسير قوله تعالى:"ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا"عن الحافظ ابن كثير رحمه الله: (وما أحسن ما استنبطه الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة، أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب، لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم:"ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم") .
روى ابن أبي زيد عن سُحنون قال:"من قال في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي أنهم كانوا على ضلال وكفر قتل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك نكل النكال الشديد".
وقال الهيثمي: (الخلاف فيمن سب بعضهم، أما سب جميعهم فلا شك أنه كفر) .
وقال البغدادي: (وقالوا بتكفير كل من أكفر واحدًا من العشرة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وقالوا بموالاة جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأكفروا من أكفرهن، أوأكفر بعضهن) .
وقال القاضي عياض: (وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمور أنه يعزر لا يقتل) .
هذا إن سبهم من غير تضليل أوتكفير.
وقد صح عن أنس عند الشيخين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار"، وفي رواية:"لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق"، وقد ضرب عمر بالدرة من فضَّله على أبي بكر، ثم قال:"أبوبكر خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا"، وقال:"من قال غير هذا أقمنا عليه ما يقام على المفتري".