فهرس الكتاب

الصفحة 820 من 1363

وقال أيضًا: (الوجه في هذا والله أعلم أن الذي في اللوح المحفوظ هو القرآن الذي في المصحف كما أن الذي في هذا المصحف هو الذي في هذا المصحف بعينه سواء كان المحل ورقًا أو أديمًا أو حجرًا أو لحافًا ، فإذا كان مِنْ حكم الكتاب الذي في السماء أن لا يمسه إلا المطهرون وجب أن يكون الكتاب الذي في الأرض كذلك ؛ لأن حرمته كحرمته ، أو يكون الكتاب اسم جنس يعم كل ما فيه القرآن سواء كان في السماء أو الأرض ، وقد أوحى إلى ذلك قوله تعالى: (رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة فيها كتب قيمة( [البينة2-3] ، وكذلك قوله تعالى: (في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة( [عبس 13-14] فوصفها أنها مطهرة فلا يصلح للمحدث مسها) (3) .

وقال أبو عبد الله الحَلِيمِي الشافعي: (إن الملائكة إنما وصلت إلى مس ذلك الكتاب ؛ لأنهم مطهرون ، والمطهر هو الميسر للعبادة ، والمرضي لها ، فثبت أن المطهر من الناس هو الذي ينبغي له أن يمس المصحف ، والمحدث ليس كذلك ؛ لأنه ممنوع عن الصلاة والطواف ، والجنب والحائض ممنوعان عنهما ، وعن قراءة القرآن فلم يكن لهم حمل المصحف ولا مسه ) (4) .

(1) 71) انظر: كشاف القناع ، 1/134 .

(2) 72) التبيان في أقسام القرآن، 1/402، وانظر نحوه في: البحر الرائق، 1/211 نقلًا عن العلامة الطيبي.

(3) شرح العمدة ، 1/384 .

(4) 74) معرفة السنن والآثار للبيهقي ، 1/187 .

وقال الجصاص: ( إن حُمِلَ -لفظ الآية - على النهي وإن كان في صورة الخبر كان عمومًا فينا ، وهذا أولى ، لما روي عن النبي ( في أخبار متظاهرة أنه كتب في كتابه لعمرو بن حزم:(ولا يمس القرآن إلا طاهر) (1) فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية إذ فيه احتمال له ) (2) .

ثانيًا:أن دعوى عدم صحة الأحاديث، وأنها لا تصلح للاحتجاج بها والعمل بها غير مسلم ، فإن تلك الأحاديث التي استدل بها الجمهور على تحريم مس المصحف على المحدث وإن كان لا يخلو إسناد كل واحد منها من مقال إلا أنها بمجموع طرقها ترقى في أقل أحوالها إلى درجة الحسن، فصلح الاحتجاج بها، ووجب العمل بها ، كما قال ذلك عدد من أئمة الحديث المشهورين كما تقدم نقل كلام بعضهم .

ومن ذلك أيضًا أن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه احتجا بهذا الحديث ، وصرح إسحاق بن راهويه بصحته ، فقد قال إسحاق بن منصور المروزي في مسائله عنهما: (قلت -يعني لأحمد- هل يقرأ الرجل على غير وضوء ؟ قال: نعم، ولكن لا يقرأ في المصحف ما لم يتوضأ ، قال إسحاق - يعني ابن راهويه - كما قال ، لما صح من قول النبي عليه الصلاة والسلام:(لا يمس القرآن إلا طاهر) وكذلك فعل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام والتابعون ) (3) .

وقال الإمام ابن عبد البر: (لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد ، وقد روي مسندًا من وجه صالح ، وهو كتاب مشهور عند أهل السير ، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد ؛ لأنه أشبه المتواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة …وما فيه فمتفق عليه إلا قليلًا) (4) .

(1) 75) سبق تخريجه في ص ، 8 .

(2) 76) أحكام القرآن ، 3/416 .

(3) 77) مسائل إسحاق بن منصور ، ص ، 5 ، نقلًا عن إرواء الغليل ، 1/161 .

(4) 78) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ، 17/338 ، ونقله عنه في التبيان لابن القيم ، 1/409؛ نيل الأوطار ، 1/259 ، إظهار الحق المبين ، ص ، 20 .

وقال الألباني: (صحيح . روي من حديث عمرو بن حزم ، وحكيم ابن حزام، وابن عمر ، وعثمان بن أبي العاص) ثم ساق أسانيد كل واحد منها ثم قال: (وجملة القول: أن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف ، ولكنه ضعف يسير ، إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب ، وإنما العلة الإرسال ، أو سوء الحفظ ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي بعضها بعضًا إذا لم يكن فيها متهم ، كما قرره النووي في تقريبه ، ثم السيوطي في شرحه ، وعليه فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث ، لا سيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل … وصححه أيضًا صاحبه الإمام إسحاق بن راهويه) (1) .

ثالثًا: وأما دعوى عدم ثبوت إجماع الصحابة فغير مسلم ، لثبوت ذلك الحكم عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم زمن النبوة وبعده ، ولم يعرف لهم في عصرهم مخالف ، فكان ذلك منهم إجماعًا سكوتيًا على تحريم مس المصحف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهو قول سلمان الفارسي ، وعبد الله بن عمر ، وغيرهما ، ولا يعلم لهما من الصحابة مخالف) (2) .

وقال الإمام النووي: (إنه قول علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر رضي الله عنهم ، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة ) (3) فلا عبرة بالمخالف للصحابة، ولا اعتداد بقوله ، فهم أعلم الأمة ، وأعدلها وأوثقها وقولها أقرب إلى الحق والصواب ممن سواهم .

الترجيح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت