3 -أن دعوى الإجماع غير متيقن ، بدليل وجود المخالف من التابعين ومن بعدهم (3) .
الإجابة عن أدلة القول الثاني:
أجاب الجمهور القائلون بعدم جواز مس المصحف للمحدث عن أدلة القائلين بالجواز بما يأتي:
1 -أجيب عن الدليل الأول: بأن الحديث إنما يدل على جواز مس الرسالة أو الكتاب إذا تضمن آية من القرآن ونحوها ، ومثل هذا لا يسمى مصحفًا ولا تثبت له حرمته ، وذكر الآيتين في الكتاب إنما قصد بها تبليغ الدعوة فيختص الجواز بمثل ذلك (4) .
قال الحافظ ابن حجر: (إن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين ، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتاب في الفقه أو التفسير ، فإنه لا يمنع قراءته ولا مسه عند الجمهور ؛ لأنه لا يقصد منه التلاوة ، ونص أحمد: أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ وقال به كثير من الشافعية ، ومنهم من خص الجواز بالقليل كالآية والآيتين ) (5) .
(1) 59) انظر: بداية المجتهد ، 1/30 ، شرح العمدة ، 1/384 .
(2) 60) المحلى ، 1/81 .
(3) 61) انظر: المحلى ، 1/83 .
(4) 62) انظر: الشرح الكبير ، 1/95 ، إظهار الحق المبين ، ص ، 17 .
(5) 63) فتح الباري ، 1/408 .
2 -وأجيب عن الدليل الثاني: بعدم التسليم بأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على تحريم المس ، بل ورد فيهما ما يدل على ذلك كما سبق ذكره في أدلة الجمهور ، فلا يبقى الحكم على البراءة الأصلية ، لثبوت الدليل الناقل استنباطًا من القرآن ، ونصًا من السنة الصحيحة .
3 -وأجيب عن الدليل الثالث: بأن القراءة على غير طهارة إنما أبيحت للمحدث حدثًا أصغر للحاجة ، ولعسر الوضوء للقراءة كل وقت ، وإذا حصلت المشقة جاء التيسير ؛ لأن المشقة تجلب التيسير (1) .
4 -وأجيب عن الدليل الرابع: بأن قياس مس المصحف على حمله في المتاع قياس مع الفارق ؛ لأن الحامل له في متاعه لا يباشر مسه ؛ ولأنه غير مقصود بالحمل بخلاف حمله وحده فإنه مقصود لذاته (2) .
5 -وأجيب عن الدليل الخامس: بأن الألواح التي يحملها الصغار وهم محدثون لا تسمى مصحفًا؛ إذ لا يكتب فيها إلا شيء يسير من القرآن تقتضيها ضرورة التعليم (3) ولأنهم غير مكلفين (4) .
الإجابة عن اعتراض القائلين بالجواز على أدلة المانعين:
أجاب جمهور العلماء عن اعتراض القائلين بجواز مس المحدث المصحف على أدلة التحريم بما يأتي:
(1) 64) انظر: المجموع شرح المهذب ، 1/80 ، إظهار الحق المبين ، ص ، 18 .
(2) 65) انظر: المصدرين السابقين .
(3) 66) انظر: المصدرين السابقين .
(4) 67) انظر: بداية المجتهد ، 1/30 .
أولًا: أنا نمنع أن قوله سبحانه: ( لا يمسه ( خبر فقط ورفع السين فيه لا ينفي إرادة النهي ، بل هو خبر تضمن نهيًا ؛ لأن خبر الله لا يكون خلافه، وقد وجد من يمس المصحف على غير طهارة ، فتبين بهذا أن المراد النهي ، وليس الخبر، وقد ورد مثل هذا كثير في الكتاب والسنة ، ومنه قوله عز وجل: ( لا تضار والدة بولدها ( [البقرة233] فإنه خبر تضمن نهيًا ، ومنه في السنة قوله (:(لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ) بإثبات الياء، فإنه خبر تضمن نهيًا (1) .
وأما القول بأن الضمير في قوله سبحانه: ( لا يمسه ( إنما يعود على الكتاب الذي في السماء وهو اللوح المحفوظ، لا على المصحف الذي بأيدي الناس، فالجواب: أن قوله سبحانه: ( تنزيل من رب العالمين( بعد قوله سبحانه: (لا يمسه إلا المطهرون ( فيه دلالة ظاهرة على إرادة المصحف الذي بأيدي الناس، فلا يحمل على غيره إلا بدليل صحيح صريح(2) .
كما أن القول بأن المراد ب المطهرين في الآية هم الملائكة وليسوا بني آدم؛ لأن المطهرين هم الذين طهرهم غيرهم ، وأنه لو أريد بهم بنو آدم لقيل (المتطهرون) .
فالجواب: أن المتوضئ يطلق عليه طاهر ومتطهر، وهذا سائغ لغة (3) .
(1) 68) انظر: المجموع شرح المهذب ، 1/80 ، إظهار الحق المبين ، ص ، 18 .
(2) 69) انظر: المصدرين السابقين . وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ، 17/225: (وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا ، وهو الأظهر ) .
(3) 70) انظر: المصدرين السابقين .
ومع التسليم بأن المراد بالمطهرين الملائكة كما هو قول جمهور المفسرين، فإنه يمكن الاستدلال بالآية بقياس بني آدم على الملائكة (1) ، أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (من باب التنبيه والإشارة ؛ لأنه إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون ، فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر ، والحديث مشتق من هذه الآية) (2) .