بعد بيان قولي العلماء في حكم مس المحدث حدثًا أصغر للمصحف وأدلة كل قول ، وما أورد عليها من اعتراضات ، والإجابة عما اعتُرض به على قول الجمهور، ظهر لي رجحان ما ذهب إليه جمهور العلماء من القول بتحريم مس المصحف على المحدث حدثًا أصغر لما يأتي:
1 -قوة ما استدلوا به من الأدلة على ما ذهبوا إليه .
2 -ضعف أدلة المخالف ، والرد عليها ، وبيان وجه ضعفها .
(1) 79) إرواء الغليل ، 1/158 ، 160-161 .
(2) 80) مجموع الفتاوى ، 21/266 .
(3) 81) المجموع شرح المهذب ، 2/80 .
3 -أن القول بتحريم المس ناقل عن الأصل ، وقد ذهب أكثر الأصوليين إلى أن الدليل الناقل عن الأصل مقدم على الدليل المبقي على البراءة الأصلية (1) .
4 -أن القول بالتحريم أحوط للعبادة ، وأبرأ للذمة ، فالقول به أولى.
5 -أن القول بالتحريم هو الموافق لتكريم القرآن وتعظيمه ، فإن الله عز وجل وصف القرآن بأنه كريم وأنه لا يمسه إلا المطهرون ، فعظمه الله تعالى وكرمه ، فالأليق بتعظيمه والأنسب لإجلاله وتكريمه أن لا يُمس إلا على طهارة كاملة ، لأن مسه بغير طهارة مخل بتعظيمه وتكريمه .
6 -أن القول بالتحريم هو المنقول عن الصحابة زمن النبوة وبعدها ، من غير خلاف بينهم ، ولذا قال به أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم ، وجماهير أهل العلم حتى قال ابن عبد البر (أجمع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم بأن المصحف لا يمسه إلا طاهر) (2) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وأما مس المصحف فالصحيح أنه يجب له الوضوء كقول الجمهور وهذا هو المعروف عن الصحابة سعد وسلمان وابن عمر) (3) فدل ذلك على عدم الاعتبار للمخالفين ، وعدم الاعتداد بقولهم لضعف أدلتهم .
(1) انظر: روضة الناظر ، 2/401 ، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ، ص ، 326 .
(2) الاستذكار ، 8/10 .
(3) مجموع فتاوى شيخ الإسلام 21/288 .
فحسْب المسلم ما أجمع عليه الصحابة ، وأفتى به أئمة التابعين ، واختاره من بعدهم من أئمة الإسلام المجتهدين في العصور المفضلة وما بعدها إلى يومنا هذا، حيث هو القول المختار المفتى به عند المحققين من علماء العصر وفقهائه (1) .
المبحث الثاني: حكم الطهارة للصغير
والمراد بالصغير هنا الصغير المميز ، أما غير المميز فلا يجوز تمكينه من مس المصحف ، ويأثم من مكنه من ذلك (2) .
وقد اختلف العلماء في حكم مس المميز للمصحف على غير طهارة على الأقوال التالية:
القول الأول: أنه يجوز للصغير مس المصحف على غير طهارة ، بمعنى: أنه لا يأثم من مكّن الصغير من مس المصحف وليّا كان أو غيره .
(1) حيث اختاره صاحب كتاب (إظهار الحق المبين ) وقد فرغ من تأليفه بمكة سنة 1351هـ وذكر أن علماء المذاهب الأربعة في زمنه أجمعوا على الإفتاء به ، ص ، 19-20 ، وكذا أفتى به سماحة مفتي المملكة العربية السعودية في زمنه العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ كما في مجموع الرسائل والفتاوى 2/77، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا العلامة الشيخ عبد العزيز ابن باز ، كما في الفتاوى الصادرة عنها 4/72 وما بعدها ، وغيرهم من علماء العصر .
(2) 86) انظر: المجموع شرح المهذب ، 2/75 ؛ مغني المحتاج ، 1/38 ؛ فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، 2/77 .
وبهذا قال: الحنفية في الصحيح من المذهب (1) ، والمالكية في المعتمد (2) ، والشافعية في الصحيح (3) ، والحنابلة في رواية (4) ، وهو مذهب الظاهرية (5) .
وقيَّد بعضهم الجواز في حال التعلم لا غير (6) .
واستدلوا على ما ذهبوا إليه:بأن في تكليف الصبيان وأمرهم بالوضوء حرجًا عليهم ، قد يؤدي إلى ترك حفظ القرآن وتعلمه ، فأبيح لهم المس لضرورة التعلم، ودفعًا للحرج والمشقة عنهم (7) ، ولقصورهم عن حد التكليف (8) .
القول الثاني: أنه يكره للصغير مس المصحف على غير طهارة .
(1) 87) الهداية ، 1/31 ؛ البحر الرائق ، 1/212 ؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ، 1/316.
(2) 88) التفريع ، 1/212 ، المعونة ، 1/162 ، الشرح الصغير ، 1/223 .
(3) 89) روضة الطالبين ، 1/192 ؛ مغني المحتاج ، 1/38 ؛ فتح الجواد ، 1/55 .
(4) 90) الفروع ، 1/189 ؛ الإنصاف ، 1/223 .
(5) 91) حيث تقدم في المبحث الأول أنهم يرون جواز مس البالغ للمصحف وإن كان جنبًا، فالصغير من باب أولى .
(6) 92) انظر: حاشية ابن عابدين ، 1/317 ، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ، 1/126، مغني المحتاج ، 1/38 .
(7) 93) انظر: البناية شرح الهداية ، 1/650 ؛ حاشية ابن عابدين ، 1/316 ؛ الذخيرة ، 1/237 ؛ مغني المحتاج ، 1/38 ، الشرح الكبير ، 1/95 .
(8) 94) انظر: المعونة ، 1/162 .