تعقب الشوكاني قوله: قال: لا يخفى ما في هذا الجمع من التعسف؛ فإن أبوال الإبل يمنع الخصم اتصافها بأنها حرام أو نجس، وعلى فرض التسليم فالواجب الجمع بين العام وهو تحريم التداوي بالحرام، وبين الخاص وهو الإذن بالتداوي بأبوال الإبل، بأن يقال: يحرم التداوي بكل حرام إلا أبوال الإبل، هذا هو القانون الأصولي (20) .
قال العيني: الجواب القاطع: إن الحكم الذي جاء به حديث أم سلمة (وفي حكمه حديث أبي الدرداء) ، من حرمة التداوي بالمحرم محمول على حالة الاختيار، وأما حالة الاضطرار فلا يكون حرامًا، كتناول الميتة في المخمصة، والخمر عند العطش، وإساغة اللقمة، وقال ابن رسلان والشوكاني بمثل ذلك (21) .
قال ابن البزاز: إن حديث أم سلمة فيه نفي الحرمة عن الدواء المحرم إذا علم أن فيه شفاء، ولم يوجد ما يقوم مقامه من الأدوية المباحة، ومعنى هذا الحديث وفقًا لذلك: إن الله تعالى أذن لكم بالتداوي، وجعل لكل داء دواء، فإذا كان في ذلك الدواء شيئ محرم وعلمتم به الشفاء، فقد زالت حرمة استعماله؛ لأنه تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم (22) .
قال ابن عابدين: إن معنى"لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"يحتمل أن يكون هذا القول قد قيل في داء، عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغنى بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تنكشف الحرمة عند الحاجة، فلا يكون الشفاء بالحرام، وإنما يكون بالحلال (23) .
استدل أصحاب المذهب الثاني على حرمة التداوي بأبوال الإبل، بما يلي:
أولًا: السنة النبوية المطهرة:
1-حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله قال:"إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".
وجه الدلالة منه:
إن تناول أبوال الحيوانات قد حرمه الشارع، وما حرم تناوله لم يجعل فيه شفاء للمسلمين، فنفي أن يكون في محرم دواء، فدل الحديث على عدم جواز التداوي بالمحرم.
اعترض ابن حزم والبيهقي وغيرهما على الاستدلال به بما سبق أن اعترض به عليه، وأجيب عن هذين الاعتراضين بما أجيب به عنهما قبلًا.
2-حديث أبي الدرداء أن رسول الله قال:"إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام".
وجه الدلالة منه:
أمر رسول الله بالتداوي من الأدواء المختلفة، ونهى عن التداوي بما حرمه الشارع، وإذا كان تناول البول محرمًا، فإنه يحرم التداوي به حتى لا يكون تداويًا بمحرم.
تأول النووي والبيهقي والعيني وابن البزاز وابن عابدين حديثي أم سلمة وأبي الدرداء، بما سبق أن تأولوهما به.
3-حديث أبي هريرة قال:"نهى رسول الله عن الدواء الخبيث".
وجه الدلالة منه:
أفاد هذا الحديث حرمة التداوي بالدواء الخبيث، وقد قيل في تفسير الدواء الخبيث في الحديث بأنه النجس الحرام، أو ما تنفر عنه الطباع، وقد فسر الخطابي الدواء الخبيث، فقال: قد يكون خبثه لنجاسته، فقد يصف الأطباء بعض الأبوال وعذرة بعض الناس لبعض العلل، وهي كلها خبيثة نجسة، وتناولها محرم (24) ، فدل هذا الحديث على حرمة التداوي بأبوال الحيوانات عامة لأنها نجسة أو تعافها النفس، وهي على كلا الحالين خبيثة.
تأول النووي والبيهقي هذا الحديث بما تأولاه به من قبل، وتعقب الشوكاني قول البيهقي بما تعقبه به قبلًا.
ثانيًا: قول الصحابي:
روي عن ابن مسعود قال:"إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"، وفي رواية أخرى"إن الله تعالى لم يجعل في رجس شفاء" (25) .
وجه الدلالة منه:
نفى عبدالله بن مسعود أن يكون فيما حرمه الله تعالى على هذه الأمة أو في النجس شفاء، فدل على عدم جواز التداوي بالمحرم (ومنه بول الإبل الذي يحرم تناوله حال الاختيار باتفاق الفقهاء) ، كما دل على عدم جواز التداوي بالنجس (ومنه البول عند من يقولون بنجاسة الأبوال عامة، سواء كانت من مأكولة اللحم أو من غيرها، وهو قول جابر بن زيد والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وحماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وأبي يوسف، وجمهور الشافعية) (26) ، وقول ابن مسعود هذا لا يكون منه إلا عن توقيف؛ لأنه لا مدخل للرأي فيه.
تأول ابن عابدين والبابرتي هذا الأثر:
قالا: إن قول ابن مسعود هذا يحتمل أن يكون قد صدر عنه في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغنى بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تنكشف الحرمة عند الحاجة، فلا يكون الشفاء بالحرام، وإنما يكون بالحلال (27) .
ثالثًا: المعقول:
إن هذه الأبوال لا يتيقن الشفاء في تناولها، فلا يعرض عن الحرمة (28) .
المناقشة والترجيح: