فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 1363

بعد استعراض المذهبين في هذه المسألة، وما استدل به لهما، وما اعترض به على بعض هذه الأدلة، وما أجيب به على بعض هذه الاعتراضات، وما تأول به العلماء بعض هذه الأدلة، فإنه يترجح في نظري مذهب القائلين بحل التداوي بأبوال الإبل، إذا لم يوجد طاهر يقوم مقامها في التداوي به، ووصفها للمريض طبيب مسلم عدل ثقة حاذق بالطب، أو كان المتداوي عارفًا بالطب، يعرف أنه لا يقوم غير بول الإبل مقامه في المداواة، أو يعرف ذلك من تجربة سابقة له مع المرض؛ وذلك لما استدل به أصحاب هذا المذهب؛ ولأن التداوي بأبوال الإبل كان نافعًا لما أصاب العرنيين من مرض، فوصف لهم رسول الله ما ألفوه أو ما يناسب مرضهم، فقد كانت هذه الإبل ترعى الشيح والقيصوم، وأبوال الإبل التي ترعى ذلك تدخل في علاج نوع من أنواع الاستسقاء (29) ؛ ولهذا قال ابن العربي:"أما أبوال الإبل فإنما دلهم عليها؛ لما فيها من الحرافة، وفيها منفعة لأدواء البطن وخاصة الاستسقاء، وفي الحديث أنهم اجتووا المدينة، والجوي داء البطن، فكان بول البعير من منافعه" (30) ، بل تذكر بعض الروايات أنهم طلبوا من رسول الله الخروج إلى اللقاح، فقالوا:"يا رسول الله قد وقع هذا الوجع (31) ، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل" (32) ، فإذنه لهم بالخروج إليها لشرب أبوالها وألبانها قد جاء بناء على طلبهم؛ لما ألفوه من التداوي بمثل ذلك.

وما استدل به أصحاب المذهب الثاني على حرمة التداوي بأبوال الإبل، من حديثي أم سلمة وأبي الدرداء، فلا يفيدهم فيما ذهبوا إليه؛ وذلك لما أورده بعض العلماء على الاستدلال بهما، وما تأول به بعضهم هذين الحديثين، بما يفيد حل التداوي بالمحرم إذا دعت إليه الضرورة أو الحاجة، كما تأول بعض العلماء حديث أبي هريرة وأثر ابن مسعود، ولا يشترط لجواز المداواة بهذه الأبوال تيقن الشفاء بتناولها كما قالوا في معقولهم، وإنما يكفي في ذلك غلبة الظن؛ إذ ليس ثمة دواء يقطع بالشفاء من تناوله، فمجرد غلبة ظن الشفاء بتناول البول كافية لإباحة التداوي به، إذا لم يوجد مباح يقوم مقامه في التداوي، ووصفه طبيب مسلم عدل ثقة، أو كان المريض يعلم نفعه له لمعرفته بالطب، أو من تجربة سابقة له مع المرض.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

الهوامش:

1-الهداية والعناية (101/1،102) ، نتائج الأفكار (81/8) ، رد المحتار (215/5،216) ، الطوري: تكملة البحر الرائق (233/8) ، ابن رشد الجد: البيان والتحصيل (323/18) ، رد المحتار (215/4) ، النووي: المجموع (50/9،51) ، النووي: روضة الطالبين (285/3) ، الشربيني: مغني المحتاج (188/4) ، الأنوار لأعمال الأبرار (518/2) ، حاشية الباجوري على شرح ابن قاسم (302/2) ، كشاف القناع (189/6،200) ، فتاوى ابن تيمية (562/21) ، المحلى (168/1،175) مصنف عبدالرزاق (259/9) ، صحيح البخاري (23/4) ، عون الباري (436/1) ، الشوكاني: نيل الأوطار (50/1) ، (93/9) .

2-الهداية (مع فتح القدير) (101/1،102) ، نتائج الأفكار (81/8) ، المجموع (50/9) ، روضة الطالبين (285/3) .

3-الرهط: هم جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وعرينة: حي من بجيلة، والجوى: هو داء السل، وتطاول المرض، ويطلق على داء الصدر، واجتواه، أي كرهه، واجتووا المدينة: أي أصابهم الجوى وهو داء الجوف إذا تطاول، أو كرهوا الإقامة بها واستوخموها، أو لم يوافقهم طعامها، وارتهست أعضادنا: أي اصطكت، والحرة: أرض ذات حجارة سود بظاهر المدينة المنورة، تبدو وكأنها أحرقت بالنار (عمدة القارئ 234/21، عون الباري 435/1، شرح النووي على صحيح مسلم 154/11، الفيروز آبادي: القاموس المحيط- 708 - رهس) ، والحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (صحيح البخاري 9/4، صحيح مسلم 154/11-156) .

4-المحلى (175/1) .

5-عمدة القارئ (33/3-34) ، الهداية (102/1) .

6-نيل الأوطار (49/1) .

7-عون الباري (436/1) .

8-عمدة القارئ (33/3) .

9-المصدر السابق (34) .

10-أخرجه ابن حبان في صحيحه وصححه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأخرجه البيهقي في سننه وسكت عنه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في معجمه الكبير ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، غير حسان بن مخارق فقد وثقه ابن حبان، وأخرجه ابن حزم في المحلى وقال: في سنده سليمان الشيباني وهو مجهول (ابن بلبان: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 69/10، المستدرك 218/4، السنن الكبرى 5/10، مجمع الزوائد 86/5، عمدة القارئ 34/3، المحلى 175/1-176) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت