فهرس الكتاب

الصفحة 764 من 1363

أ- قال العيني والمرغيناني: إن رسول الله خص العرنيين بذلك؛ لما عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا فلا يحل شربه؛ لأنه لا يتيقن الشفاء فيه فلا يعرض عن الحرمة، وهو كما خص الزبير بن العوام بلبس الحرير لحكة كانت به أو للقمل؛ فإنه كان كثير القمل، أو لأنهم كانوا كفارًا في علم الله تعالى، ورسول الله علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الردة، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس، والتمسك بعموم قوله:"استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه"أولى؛ لأنه ظاهر في تناول جميع الأبوال، فيجب اجتنابها لهذا الوعيد (5) .

أجيب عن هذا الاعتراض:

قال ابن المنذر: من زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب؛ إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ويؤيد هذا تقرير أهل العلم استعمال الناس أبوال الإبل في أدويتهم قديمًا وحديثًا، وعدم إنكارهم ذلك (6) .

رد هذا الجواب:

قال ابن حجر العسقلاني: إن المختلف فيه لا يجب إنكاره، فلا يدل ترك إنكاره على جوازه (7) .

ب - قال السرخسي: حديث أنس رواه قتادة عنه، وفيه أن رسول الله رخص للعرنيين في شرب ألبان الإبل، ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكر هذا في رواية حميد الطويل عنه، والحديث حكاية حال، فإذا دار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة، فإنه يسقط الاحتجاج به (8) .

ج - افترض العيني اعتراضًا: أن أبوال الإبل إذا كانت محرمة الشرب، فلا يجوز التداوي بها (9) ، لما روي عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله { قال:"إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" (10) ، وما روي عن أبي الدرداء } أن رسول الله قال:"إن الله عز وجل أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء داوء، فتداووا ولا تتداووا بحرام" (11) .

أجيب عن هذا الاعتراض بما يلي:

1-قال البيهقي: هذان الحديثان - إن قيل بصحتهما - يحملان على النهي عن التداوي بالمسكر، أو على التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة إلى التداوي به، جمعًا بينهما وبين حديث العرنيين (12) .

2-قال ابن حزم: إن الحديث الذي روي عن أم سلمة باطل؛ لأن في سنده سليمان الشيباني وهو مجهول، وقد جاء اليقين بإباحة الميتة والخنزير عند خوف الهلاك من الجوع، فقد جعل الله تعالى شفاءنا من الجوع المهلك فيما حرم علينا في غير تلك الحال، ونقول: نعم إن الشيء مادام حرامًا علينا فلا شفاء لنا فيه، فإذا اضطررنا إليه فلم يحرم علينا حينئذ، بل هو حلال فهو لنا حينئذ شفاء، وهذا ظاهر الخبر (13) .

3-قال بعض العلماء: إن حديث أم سلمة وقع جوابًا لمن سأل عن التداوي بالخمر وغيره من سائر المسكرات، فلا يجوز إلحاق غير المسكر به؛ لأن شرب المسكر يجر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف ذلك (14) .

رد جواب هؤلاء بما يلي:

1-قال العيني: حديث أم سلمة أخرجه ابن حبان في صحيحه وصححه، وسليمان الشيباني أحد الثقات، وقول من يدعي خصوصية هذا بالخمر قول مردود؛ لأن دعوى الخصوصية لا تسمع إلا بدليل، والجواب القاطع عن هذا أن حرمة التداوي بالمحرم على حالة الاختيار، وأما في حال الاضطرار فلا يكون حرامًا، كتناول الميتة في المخمصة والخمر عند العطش وإساغة اللقمة (15) .

2-قال الشوكاني: إن قصر النهي عن التداوي بالمحرم على الخمر فقط، قصر للعام على السبب بدون موجب، والمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب، وأما النهي عن التداوي بالمحرم فهو محمول على التداوي به حالة الاختيار، وأما في حال الضرورة فلا يكون حرامًا، كإباحة تناول الميتة للمضطر، فالنهي عن التداوي بالحرام باعتبار الحالة التي لا ضرورة فيها، والإذن بالتداوي بأبوال الإبل باعتبار حالة الضرورة وإن كان حرامًا، ولو سلم بهذا فالتداوي إنما وقع بأبوال الإبل خاصة، فلا يجوز إلحاق غيره به؛ لما ثبت من حديث ابن عباس مرفوعًا:"إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم" (16) ، ولا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه (17) .

تأول بعض العلماء حديثي أم سلمة وأبي الدرداء بما يلي:

قال النووي: إن النهي عن التداوي بالمحرم في حديثي أم سلمة وأبي الدرداء محمول على حال عدم الحاجة إلى التداوي به، بأن يكون هناك من الأدوية المباحة ما يقوم مقام المحرم في التداوي به (18) .

قال البيهقي: إن هذين الحديثين إن صحا فإنهما يحملان على النهي عن التداوي بالمسكر، أو التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة (أي في حال وجود دواء مباح غيره يغني عنه ويقوم مقامه) ليكون جمعًا بينهما وبين حديث العرنيين؛ إذ أباح فيه رسول الله لنفر من عرينة أن يشربوا أبوال الإبل للتداوي بها من مرض أصابهم (19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت