فهرس الكتاب

الصفحة 755 من 1363

ونقول: نعم إن الشيء ما دام حرامًا علينا فلا شفاء لنا فيه، فإذا اضطررنا إليه فلا يحرم علينا حينئذ، بل هو حلال، فهو لنا حينئذ شفاء، وهذا ظاهر الخبر (1) .

3 -قال بعض العلماء: إن حديث أم سلمة وقع جوابًا لمن سأل عن التداوي بالخمر وغيره من سائر المسكرات، فلا يجوز إلحاق غير المسكر به؛ لأن شرب المسكر يجر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء، فجاء الشرع بخلاف ذلك (2) .

رد جواب هؤلاء بما يلي:

1-قال العيني: حديث أم سلمة أخرجه ابن حبان في صحيحه وصححه، وسليمان الشيباني أحد الثقات، وقول من يدعي خصوصية هذا بالخمر قول مردود؛ لأن دعوى الخصوصية لا تسمع إلا بدليل، والجواب القاطع عن هذا: أن حرمة التداوي بالمحرم محمول على حال الاختيار، وأما في حال الاضطرار فلا يكون حرامًا، كتناول الميتة في المخمصة، والخمر عند العطش وإساغة اللقمة (3) .

2 -قال الشوكاني: إن قصر النهي عن التداوي بالمحرم على الخمر فقط، قصر للعام على السبب بدون موجب، والمعتبر عموم اللفظ لا خصوص السبب، وأما النهي عن التداوي بالمحرم فهو محمول على التداوي به حال الاختيار، وأما في حال الضرورة فلا يكون حرامًا، كإباحة تناول الميتة للمضطر؛ فالنهي عن التداوي بالحرام باعتبار الحالة التي لا ضرورة فيها، والإذن بالتداوي بأبوال الإبل باعتبار حالة الضرورة وإن كان حرامًا، ولو سلم بهذا فالتداوي إنما وقع بأبوال الإبل خاصة، فلا يجوز إلحاق غيره به، لما ثبت من حديث ابن عباس مرفوعًا: «إن في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم» (4) ، ولا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه (5) .

استدل أصحاب المذهب الثاني على حرمة التداوي بالمحرم بما يلي:

أولًا: الكتاب الكريم:

قال ـ تعالى ـ: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] .

وجه الدلالة من الآية:

أفادت هذه الآية أن الشارع حرم تناول كل خبيث، ولو كان هذا لأجل التداوي به، سواء كان خبثه لنجاسته أو لغيرها.

ثانيًا: السنة النبوية المطهرة:

1 -روي عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» .

2 -روي عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرام» .

وجه الدلالة منهما:

بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أم سلمة، أن الله ـ تعالى ـ لم يجعل فيما حرمه على هذه الأمة شفاء مما يصيبها من الأدواء، فدل على عدم جواز التداوي بالمحرم؛ لأنه لا أثر له في الشفاء من الأمراض، ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي الدرداء عن التداوي بالمحرم، والنهي يفيد التحريم عند الإطلاق؛ لأنه حقيقته، فأفاد كسابقه حرمة التداوي بالمحرم، سواء كانت حرمته بسبب نجاسته أو استقذاره أو غير ذلك.

اعترض على الاستدلال بهما بما سبق أن اعترض به عليهما، وأجيب عن هذه الاعتراضات بما أجيب به عليها من قبل (6) .

وقد تأول بعض العلماء هذين الحديثين بما يلي:

أ - قال النووي: إن النهي عن التداوي بالمحرم في حديثيْ أم سلمة وأبي الدرداء، محمول على حال عدم الحاجة إلى التداوي به، بأن يكون هناك من الأدوية المباحة ما يقوم مقام المحرم في التداوي به (1) .

ب - قال البيهقي: إن هذين الحديثين إن صحا فإنهما يحملان على النهي عن التداوي بالمسكر، أو التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة، ليكون جمعًا بينهما وبين حديث العرنيين (2) .

تعقب الشوكاني قوله هذا:

قال: لا يخفى ما في هذا الجمع من التعسف؛ فإن أبوال الإبل يمنع الخصم اتصافها بكونها حرامًا أو نجسًا، وعلى فرض التسليم بذلك فالواجب الجمع بين العام، وهو تحريم التداوي بالحرام، وبين الخاص وهو الإذن بالتداوي بأبوال الإبل، بأن يقال: يحرم التداوي بكل حرام إلا أبوال الإبل، هذا هو القانون الأصولي (3) .

ج - قال العيني: «الجواب القاطع أن الحكم الذي جاء به حديث أم سلمة (وفي حكمه حديث أبي الدرداء) من حرمة التداوي بالمحرم، محمول على حالة الاختيار، وأما حالة الاضطرار فلا يكون حرامًا، كتناول الميتة في المخمصة، والخمر عند العطش وإساغة اللقمة، وقال ابن رسلان والشوكاني بمثل ذلك» (4) .

د - قال ابن البزار: إن حديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ فيه نفي الحرمة عن الدواء المحرم، إذا علم أن فيه شفاء، ولم يوجد ما يقوم مقامه من الأدوية المباحة، ومعنى هذا الحديث وفقًا لذلك: إن الله أذن لكم بالتداوي، وجعل لكل داء دواء؛ فإذا كان في ذلك الدواء شيئًا محرمًا، وعلمتم به الشفاء، فقد زالت حرمة استعماله؛ لأنه ـ تعالى ـ لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت