فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 1363

هـ - قال ابن عابدين: «إن معنى «لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» : يحتمل أن يكون هذا القول قد قيل في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغنى بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تتكشف الحرمة عند الحاجة، فلا يكون الشفاء بالحرام، وإنما يكون بالحلال» (6) .

3 -روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند الدواء الخبيث» (7) .

وجه الدلالة منه:

أفاد هذا الحديث حرمة التداوي بالدواء الخبيث، وقد اختلف العلماء في المراد بالدواء الخبيث، فقال الحاكم: هو الخمر بعينه بلا شك، وقال الترمذي وابن ماجة: هو السم، وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون هو الدواء المكروه الذي تنفر النفس عنه، لما فيه من المشقة، والعوض عنه موجود. ويحتمل أن يريد به ما يجمع الضار والنافع كالترياق، ويحتمل أن يريد به الخمر، ويحتمل أن يريد به ما تستعمله العامة من الأدوية المجهولة، مما تسقيه أو تكتب فيه، توهم الناس أنه علم وهو سخافة وتلاعب، أو مما يعلقونه: كالخرز والودع، وقال الخطابي: قد يكون خبث الدواء من وجهين: أحدهما خبث النجاسة، وهو أن يدخله المحرم كالخمر ونحوها من لحوم الحيوانات غير المأكولة اللحم، وقد يصف الأطباء بعض الأبوال وعذرة بعض الناس لبعض العلل، وهي كلها خبيثة نجسة، وتناولها محرم، إلا ما خصته السنة من أبوال الإبل، وسبيل السنن أن يقر كل شيء منها في موضعه، وألا يضرب بعضها ببعض، الوجه الثاني: أن خبث الدواء قد يكون من جهة الطعم والمذاق، ولا ينكر أن يكون قد كره ذلك لما فيه من المشقة على الطباع، ولتكره النفوس إياه، والغالب أن طعوم الأدوية كريهة ولكن بعضها أيسر احتمالًا وأقل كراهة من بعض (8) ، فإذا كان المراد بالدواء الخبيث هو المحرم أو المشتمل عليه، فإن هذا الحديث دليل على حرمة التداوي بالمحرم.

تأول بعض العلماء هذا الحديث:

أ - قال النووي: «إن النهي عن التداوي بالدواء الخبيث محمول على الحال التي لا تكون فيها ضرورة إليه، بأن يكون هناك دواء غير خبيث يغني عنه ويقوم مقامه» (1) .

ب - قال البيهقي: «إن هذا الحديث إن قيل بصحته، محمول على النهي عن التداوي بالمسكر، أو على التداوي بكل محرم في غير حال الضرورة، ليكون جمعًا بينه وبين حديث العرنيين (2) .

تعقب الشوكاني قوله هذا بما تعقب به هذا القول من قبل» (3) .

ثالثًا: قول الصحابي:

1 -روي عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «إن الله ـ تعالى ـ لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» (4) .

وجه الدلالة منه:

نفي هذا الخبر أن يكون فيما حرم الله ـ سبحانه ـ على هذه الأمة شفاء، فدل هذا على عدم جواز التداوي بالمحرم.

تأول بعض العلماء هذا الخبر:

قال ابن عابدين والبابرتي: قول ابن مسعود هذا يحتمل أن يكون قد صدر عنه في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغنى بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تنكشف الحرمة عند الحاجة، فلا يكون الشفاء بالحرام، وإنما يكون بالحلال (5) .

2-روي عن نافع مولى ابن عمر ـ رضي الله عنهم ـ قال: «كان ابن عمر إذا دعا طبيبًا يعالج بعض أهله اشترط عليه أن لا يداوي بشيء مما حرم الله عز وجل» (6) .

وجه الدلالة:

أفاد هذا الأثر أن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ كان لا يرى جواز التداوي بالمحرم، ومثل هذا لا يكون منه إلا عن توقيف؛ لأنه لا مدخل للرأي فيه.

رابعًا: المعقول:

1-إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ إنما حرم ما حرمه على هذه الأمة لخبثه، حماية وصيانة لها عن تناوله؛ فلا يناسب هذا أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل؛ فإنه إن أثر في إزالتها أعقب سقمًا أعظم منها في القلب، بقوة الخبث الذي فيه؛ فمن يتداوى به يكون قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب (7) .

2 -إن مقتضى تحريم شيء تجنبه والبعد عنه، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته، وهذا يخالف مقصود الشارع (8) .

3 -إن الدواء المحرم خبيث، ويكسب نفس المتداوي به صفة الخبث؛ لأن النفس تتأثر بكيفية الدواء تأثرًا بينًا؛ فإذا كانت كيفيته خبيثة اكتسبت النفس منه خبثًا (9) .

4 -إن في إباحة التداوي بالمحرم ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة، لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها، مزيل لأسقامها، وكانت تميل إليه؛ فهذا أحب شيء لها، وقد سد الشارع الذريعة إلى تناوله بكل ممكن، وثمة تعارض وتناقض بين سد الذريعة إلى تناوله وفتحها (10) .

المناقشة والترجيح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت